والحاصل أنّه إذا نسب الرضا والسخط والحبّ والبغض والموالاة والمعاداة إلى اللَّه سبحانه وجب تأويلها وصرفها إلى معنى يصحّ في حقّه ، لأنّ نسبة معانيها المعروفة فينا إليه غير صحيحة .
إذ الرّضا فينا حالة للنفس توجب تغيّرها وانبساطها لايصال النفع إلى الغير أو الانقياد لحكمه .
والسخط حالة أخرى توجب تغيّرها وانقباضها وتحرّكها إلى ايقاع السوء به أو الاعراض عنه .
والمحبّة حالة لها توجب ميلها إليه أو نفس هذا الميل .
والبغض حالة لها توجب الاعراض عنه وايصال الضرر إليه .
وقريب منهما الموالاة والمعاداة ، وكلّ عليه سبحانه محال ، فوجب التأويل والتأويل أنّ الرّضا والمحبّة والموالاة بمعنى الإثابة والاحسان وايصال النفع والسخط والبغض والمعاداة بمعنى العقوبة والعذاب وعدم الاحسان واللَّه المستعان .
والثاني والخمسون أنّه ( يقول لما أراد كونه كن فيكون ) قال الشارح البحراني : فإرادته لكونه هو علمه بما في وجوده من الحكمة والمصلحة ، وقوله : كن ، إشارة إلى حكم قدرته الأزلية عليه بالايجاد ووجوب الصدور عن تمام مؤثريته وقوله : فيكون إشارة إلى وجوده ، ودلّ على اللَّزوم وعدم التأخر بالفاء المقتضية للتعقيب بلا مهلة .
وفي مجمع البيان في قوله » إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون « والتقدير بأن يكوّنه فيكون فعبّر عن هذا المعنى بكن لأنّه أبلغ فيما يراد ، وليس هنا قول وإنما هو إخبار بحدوث ما يريده .
وقال عليّ بن عيسى : الأمر ههنا أفخم من الفعل ، فجاء للتفخيم والتعظيم قال : ويجوز أن يكون بمنزلة التسهيل والتهوين ، فانّه إذا أراد فعل شيء فعله بمنزلة ما يقول للشيء كن فيكون في الحال وأنشد :
فقالت له العينان سمعا وطاعة
وحدرتا كالدّر لمّا يثقّب