بكلّ ما يفعل ويريد ، وسعيهم في مقاصده وماربه .
وأن يكون مراده من الشرّ ما تفرّس منهم بل شاهده من قصدهم لنكث البيعة وثوران الفتنة ، ويكون المراد بالذّهاب عنه الاعراض عنه والترك له .
وإنّما قلنا إنّ الأشبه ذلك لما حكيناه عن بعض الشراح من أنّ هذه الخطبة خطب بها في أوائل البيعة فقرينة الحال والمقام تشعر بما ذكرناه .
وكيف كان فلما أمر عليه السّلام بما أمر أكَّده بالحديث النبويّ صلَّى اللَّه عليه وآله فقال ( فانّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله كان يقول : يا ابن آدم اعمل الخير ودع الشرّ ) أي اتركه ( فإذا أنت جواد قاصد ) يحتمل أن يكون المراد بالقاصد الراشد الغير المجاوز عن الحدّ في سيره بأن لا يكون سريع السّير فيتعب بسرعته ، ولا بطىء السّير فيفوت الغرض ببطوئه ، وأن يكون المراد به السائر في قصد السّبيل أي غير الخارج عن الجادّة الوسطى ، وتشبيه عامل الخير وتارك الشرّ به على الأوّل من أجل اتّصافه بالعدل في أموره وبراءته من الافراط والتفريط ، وعلى الثاني من أجل كون سلوكه على الجادّة الوسطى والصراط المستقيم الموصل به إلى نضرة النّعيم والفوز العظيم .
ثمّ نبّه على أقسام الظلم تلميحا إلى مظلوميته عليه السّلام وتنبيها على أنّ ظلامته لا تترك فقال ( ألا وانّ الظلم ثلاثة فظلم لا يغفر ، وظلم لا يترك ، وظلم مغفور لا يطلب ، فأمّا الظلم الَّذي لا يغفر فالشّرك باللَّه ) لما ( قال اللَّه سبحانه * ( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ِ ) * ) عدم الغفران بالشرك مشروط بعدم التوبة ، لأنّ الأمة أجمعت على أنّ اللَّه يغفره بالتوبة وإن كان الغفران مع التوبة عند المعتزلة على وجه الوجوب وعندنا على وجه التفضّل والانعام كما يأتي التصريح بذلك عن مجمع البيان .
( وأمّا الظلم الَّذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات ) لعلّ المراد بذلك البعض الصغائر لأنّ الاجتناب عن الكباير يكون كفارة لها كما قال تعالى : * ( « إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْه ُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ » ) * .
وأمّا حمله على المغفرة بالتوبة أو الشفاعة ففيه انّ المغفرة بهما لا اختصاص لها ببعض الهنات السّيئات بل جميع المعاصي تكون مغفورة بعد حصول التوبة والشفاعة
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 228
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٢٨