فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر .
وحيث كان ايمانه عليه السّلام من أقوى درجات الايمان وأعلى مراتبه ، موصوفا بالخلوص واليقين كما قال : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا اتبعه بقوله : ( ايمانا نفى اخلاصه الشّرك ويقينه الشّك ) أما نفى اخلاصه للشّرك فواضح ، وأما نفى يقينه للشّك فلأنّ اليقين عبارة عن الاعتقاد بأنّ الأمر كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن أن لا يكون إلَّا كذا ، فهو مناف للشكّ لا محالة .
( ونشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمّدا صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عبده ورسوله ) وقد مضى تفصيل ما يتعلَّق بالشّهادتين في شرح الفصل الثّاني من الخطبة الثانية ولا حاجة إلى الإعادة .
( شهادتين تصعدان القول ) أي الكلم الطَّيب ( وترفعان العمل ) أي العمل الصّالح وإنما تكونان كذلك إذا كانتا صادرتين عن صميم القلب ووجه اليقين وخلوص الجنان فتكونان حينئذ فاتحة الاحسان وعزيمة الايمان تصعدان الكلمات الطيّبات ، وترفعان الأعمال الصّالحات ، وتزيدان في الدّرجات ، وتكفّران الخطيات وأمّا الصّادرة عن مجرّد اللَّسان فلا فايدة فيها إلَّا تطهير ظاهر الانسان ، وخيرها زهيد ونفعها فقيد هذا .
وفي قوله ( لا يخفّ ميزان توضعان فيه ولا يثقل ميزان ترفعان عنه ) دلالة على أنّ لهما مدخلية في ثقل الميزان وخفّته بوضعهما فيه ورفعهما عنه .
ويشهد به صريحا في الجملة ما قدّمنا روايتها في شرح الفصل الثّاني من الخطبة الثانية ، من ثواب الأعمال عن أبي سعيد الخدري عن النّبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال : قال الله جلّ جلاله لموسى بن عمران : يا موسى لو أنّ السّماوات ، وعامريهنّ عندي والأرضين السبع في كفّة ولا إله إلَّا الله في كفة مالت بهنّ لا إله إلَّا الله .
ثمّ وصّى عليه السّلام العباد بما لا يزال يوصي به فقال : ( أوصيكم عباد الله بتقوى الله
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 57
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٥٧