وقال عليه السّلام إنّ العالم ليعذّب عذابا يطيف به أهل النّار استعظاما لشدّة عذابه وقال أسامة بن زيد سمعت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : يقول يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النّار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار بالرّحى فيطيف به أهل النّار فيقولون مالك فيقول : كنت آمر بالخير ولا آتيه ، وأنهى عن الشّر وآتيه . وروى معاذ بن جبل موقوفا ومرفوعا في رواية عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : من فتنة العالم أن يكون الكلام أحبّ إليه من الاستماع ، وفي الكلام تنميق وزيادة ولا يؤمن على صاحبه الخطاء ، وفي الصّمت سلامة وعلم . ومن العلماء من يخزن علمه فلا يحبّ أن يوجد عند غيره فذلك في الدّرك الأول من النّار ، ومن العلماء من يكون في علمه بمنزلة السّلطان إن ردّ عليه شيء من علمه أو تهوّن بشيء من حقّه غضب ، فذلك في الدّرك الثاني من النار ، ومن العلماء من يجعل علمه وغرايب حديثه لأهل الشرف واليسار ولا يرى أهل الحاجة له أهلا فذلك في الدّرك الثالث من النّار ، ومن العلماء من ينصب نفسه للفتيا فيفتى بالخطأ واللَّه تعالى يبغض المتكلَّفين ، فذلك في الدّرك الرّابع من النّار ، ومن العلماء من يتكلَّم بكلام اليهود والنّصارى ليعزّز به علمه ، فذلك في الدّرك الخامس من النّار ، ومن العلماء من يتّخذ علمه مروّة ونيلا وذكرا في النّاس ، فذلك في الدّرك السادس من النّار ، ومن العلماء من يستفزّه الزّهو والعجب فان وعظ أنف ، فذلك في الدّرك السّابع من النار ، إلى غير هذه مما رواه فيه ، وهى كافية في الدّلالة على عظم وزر العالم في معاصيه وكون عذابه أشدّ وحسرته أدوم .
وسرّ ذلك أمران : الأول أنّ العالم إذا عصى يزلّ بعصيانه خلق كثير كما قيل : إذا فسد العالم فسد العالم ، فمن تناول شيئا من المحرّمات وقال للنّاس لا تتناولوه سخر به النّاس واستهزؤه وزاد حرصهم على ما نهوا عنه ، فيقولون لولا أنّه أطيب شيء وألذّه لما كان يستأثر به نفسه ويقدم عليه فيقتدي به الخلق في سوء عمله ويتّبعونه فيلحق به مثل وزرهم ، مضافا إلى وزر نفسه كما قال : من سنّ سنّة سيّئة كان له مثل وزر من عمل بها . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام قصم ظهري رجلان : عالم متهتّك ، وجاهل متنسّك
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 186
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٨٦