المكرمة الثالثة
إظهار المحبة الباطنية : إعلم أن الحب وإن كان أمرا خفيا قلبيا وشيئا كامنا باطنيا ، لكن له
آثار ظاهرة ، وفروع متكاثرة ، فهو كشجرة أغصان ولكل غصن من الورد أفنان ، فبعض آثاره
يظهر في اللسان ، وبعض في سائر جوارح الإنسان فكما لا يمكن منع الشجر عن إبراز أزهاره ،
لا يمكن منع ذي الحب عن ظهور آثاره .
ولنعم ما قال بعض أهل الحال .
إذا هممت بكتمان الهوى نطقت * مدامعي بالذي أخفي من الألم
فإن أبح أفتضح من غير منفعة * وإن كتمت فدمعي غير منكتم
لكن إلى الله أشكو ما أكابده * من طول وجد ودمع غير منصرم
فكما أنه كلما ازداد الشجر نموا ازداد إزهاره كذلك كلما ازداد الحب قوة ازداد آثاره فمن
آثاره في العين إسبال الدموع وهجران الهجوع .
وقد قال بعض أهل الإشتياق ، في آثار حال الفراق :
ولو أن عينا في الفراق بكت دما * لرأيت في عيني دما لا يجمد
ومن قصيدة لأبي العباس المبرد صدره يناسب هذا المقال :
بكيت حتى بكى من رحمتي الطلل * ومن بكائي بكت أعدائي إذ رحلوا
ومن آثار الحب في اللسان ذكر المحبوب في كل مكان وزمان ، بكل بيان وبأي عنوان
وحسبك شاهدا في التبيان ، وناطقا بالبرهان قول الخالق المنان ، في الحديث القدسي
لموسى بن عمران ( ذكري حسن على كل حال ) ( 1 ) .
أقول : وهذا حال أهل الحال والاقبال ، وقد قال الله عز وجل في أحسن الأقوال في
التصريح بهذا المقال : * ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي
هامش
1 - في أصول الكافي : 2 / 497 بسند صحيح عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : مكتوب في التوراة التي لم تغير إن
موسى سأل ربه فقال : إلهي إنه يأتي على مجالس أعزك وأجلك أن أذكرك فيها ، فقال : يا موسى إن ذكري
حسن على كل حال ( لمؤلفه ) .