تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المجالس والمسيرات — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
ثم ركب المنصور باللَّه صلوات اللَّه عليه بعد ذلك فسلَّمت عليه وأنا خائف شديد الخوف ممّا كان إليّ منه ، فقرّبني وأدنانى وأثنى عليّ / بما هو أهله ، وقال : يا نعمان ، استعمل الشدّة في موضعها والرفق في موضعه ، فو اللَّه إنّي لأرى العصفور يذبح فيرقّ قلبي له ، وأنت تراني أخوض الدم في موضع الحقّ وفيما لابدّ منه . فاعتبرت قول المنصور باللَّه وقول المعزّ لدين اللَّه صلوات اللَّه عليه ، فوجدته واحدا لا اختلاف فيه : لم يأمر المنصور صلوات اللَّه عليه لمّا أمر بالغلظة والشّدة ، بالدخول في الباطل ولا بالتعدّي إليه . ولم يأمر المعز لدين اللَّه صلوات اللَّه عليه لما أمر بالرفق ، بترك الحقّ ولا بالإدهان فيه ، فوجدت قولهما صلوات اللَّه عليهما مأخوذا من كتاب اللَّه جلّ ذكره ، وقول / رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : فقد قال اللَّه تعالى لنبيّه : * ( « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ والْمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وبِئْسَ الْمَصِيرُ « 1 » » ) * * . وقال : * ( « لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْه ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ « 2 » » ) * . فوصفه باللين في موضعه وأمره بالغلظة في مكانها ووصف المؤمنين من أصحابه فقال : * ( « أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ « 3 » » ) * . وروى لنا الرواة عن أئمّتنا عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله أنّه قال : من لقي الكافر فليلقه بوجه مكفهرّ « 4 » ! وأنّه قال صلوات اللَّه عليه : لقي عيسى بن مريم يحيى بن زكريّا عليهما السلام / ، فتبسّم عيسى وجهه ، وقطَّب يحيى وقال : تضحك يا روح اللَّه كأنّك أصبحت آمنا من عذاب اللَّه ؟ قال عيسى : وأنت يا نبيّ اللَّه تقطَّب كأنّك أصبحت آئسا من رحمة اللَّه ! فأوحى اللَّه إليهما : أحبّكما إليّ أبشّكما بصاحبه « 5 » .
هامش
« 1 » التوبة ، 73 . والتحريم ، 9 . « 2 » التوبة ، 129 . « 3 » الفتح ، 29 . « 4 » حديث : من لقي الكافر لم تذكره الصحاح والمسانيد . « 5 » حديث عيسى ويحيى : لم نجده في أمهات كتب الحديث .