مواليا علينا المشركين كيف قد صرفنا الحدّ « 1 » إلى المشركين عن أصحابه ، وإن كانوا للشرّ مستحقّين ، لبغيهم علينا ، وتزحّفهم إلينا . إلَّا أنّا آثرنا ما يجب إيثاره وأعرضنا عنهم ، فعجّل اللَّه انتقامه على أيدي أوليائنا .
فمن تراه أرأف بالمسلمين وأرحم لأهل الدين ، نحن أم صاحبك ؟ أم كيف رأيت اللَّه أقدرنا بفضله على الفريقين وأمكننا من الطائفتين ؟ ولقد سألنا المشركون موادعتهم حينئذ ومال إلى ذلك جماعة من / أوليائنا ليصرفوا وجوههم إلى أصحابك ، فأبينا ذلك لئلَّا يرى المشركون أنّا وادعناهم على خوف منكم ومنهم ، حتّى إذا هزمنا أساطيلهم وقتلنا حماتهم وحللنا بعقوة « 2 » ديارهم ، وأثخنّا بالقتل فيهم ، وامتلأت أيدي أوليائنا من سبيهم وغنائمهم ، ورأينا أنّ الذي هو أفضل للمسلمين أن نوادعهم مدّة نستجمّ « 3 » بها ووادعناهم على أموال ألزمها نفسه لنا ملكهم وهو لا يلزم نفسه ذلك لأحد غيرنا بمشرق الأرض ولا مغربها ، جزية يؤدّيها إلينا ، وإطلاق أسارى أهل المشرق الذين في يديه لنا ، وعلى شرائط يطول ذكرها ، شرطناها عليه شرط العزيز على الذّليل .
فمن / أرحم بالمسلمين ، نحن أم من والى عليهم المشركين مخالفا لما أنزل اللَّه في الكتاب المبين ، إذ يقول وهو أصدق القائلين :
* ( « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ » ) * الآية « 4 » .
أفما رأيت أساطيل صاحبك وقد خرجت أساطيلنا لقتال أوليائه من المشركين ، وهي تنزل في مراسي المغرب لا تمرّ بمرسى إلَّا نزلت فيه ووضع من فيها الحرب على أهليه ، فجعل اللَّه الدائرة فيهم والهزيمة عليهم والقتل في رجلهم « 5 » ؟ أفهؤلاء الذين أوقعوا هذا الإيقاع بهم عندك وعند صاحبك مسلمون أم مشركون ؟ فإن كانوا من المسلمين ، وهم لم يخرجوا إليه ولا تعرّضوه ،
هامش
« 1 » في الأصل : الجد .
« 2 » العقوة : ما حول الدار .
« 3 » قراءة ظنية ، وفي الأصل : نثجهم ، ولعلها : نثلجهم .
« 4 » الممتحنة ، 1 .
« 5 » الرجل بالكسر ج أرجال : الطائفة من الشيء ، والقطعة العظيمة من الجراد خاصة ، وقد تكون بالفتح اسم جمع على قول سيبويه .