عنه قبله الشيخان ، وأخذ ذلك من يدي من كان في يديه . فلحق بمعاوية كثير ممّن خافه لذلك ، ممّن لم يصل إليه ، وكثير ممّن عنّفه وأسمعه ما كرهه فيما آتاه واقترفه ، وتخلَّف عنه رؤساء القبائل ووجوه العشائر ، فكم من شريف عند نفسه منهم وضعه بما أسمعه ، حتّى لقد كان الحسن والحسين عليهما السلام ربّما استعطفا من يسمعه ويحرمه ويغرّبه ، بالقول الجميل والعطاء ، وربّما ذكرا له موقع ذلك من الناس وسألاه الرّفق بهم ، فيتجهّم لهما ويقول : لولا أنّكما من رسول اللَّه صلَّى / اللَّه عليه وآله بالمنزلة التي أنتما منه ، لقلت لكما في هذا قولا عظيما . فكان ( صلع ) من الشدّة والصرامة في ذات اللَّه مرّا لمن ابتغى سوى ذلك منه ، مجبولا على ذلك مفطورا عليه ، ليس له فيه حيلة ولا له عنه معدل ولا يجد لما سواه احتمالا .
66 - ( قال ) وكانت فاطمة عليها السلام كذلك ، ولذلك ما كان يجري بينهما من الاختلاف في بعض الأحوال ، ولما كان كلّ واحد منهما يرى نفسه عليه من الفضل ، فلا يرجع إلى الآخر .
وذلك حملها على أن خرجت على أبي بكر لمّا منعها فدكا وأسمعته ما أسمعته ولم تحتمله صبرا حتّى شفت غيظها وفرّجت / بثّ صدرها وصدعت بالحقّ من اضطهدها واستأثر بحقّها « 1 » .
( قال ) وكان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله من الصبر على ما يؤتى إليه والاحتمال لما ينال منه ، وتألَّف القلوب والإغضاء عن الذنوب وتحمّل المكروه بحسب ما صفه اللَّه عزّ وجلّ إذ يقول : * ( « وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ « 2 » » ) * وكقوله :
* ( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ الله لِنْتَ لَهُمْ ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ « 3 » » ) * .
هامش
« 1 » فدك : واحة قرب المدينة امتلكها الرسول ( صلع ) صلحا سنة 6 للهجرة ، فجعل غلتها لأبناء السبيل ( عند السنة ) ولذوي القربى ( عند الشيعة ) . فلذلك طالبت بها فاطمة في ميراث أبيها ، فمنعها أبو بكر اعتمادا على الحديث : « نحن معشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه ، صدقة » . فغضبت فاطمة ولم تكلمه إلى أن ماتت ، وساندها علي ، فلم يبايع أبا بكر إلا بعد وفاة فاطمة ( انظر : دعائم الاسلام ج 1 / ص 393 ، رقم 1543 . وكذلك فصل « فدك » بدائرة المعارف الاسلامية ) .
« 2 » القلم ، 4 .
« 3 » آل عمران ، 159 .