وما أخر ، وما أسر وما أعلن حتى يرضى . ( 1 )
هامش
( 1 ) قال ( رحمه الله ) : بخ بخ ، هنيئا لمن نال من أئمة الهدى بعض ذلك ، وأنت تعلم أنه عليه السلام لم
يبتهل بالدعاء للكميت هذا الابتهال إلا لما دل عليه بيته هذا من معرفته بحقيقة الحال ، وقد
أكثر الشعراء من نظم هذا المعنى ، فنظمه المهيار في قصيدته اللامية ، وقبل ذلك نظمه
الشريف الرضي فقال :
بنى لهم الماضون أساس هذه * فعلوا على أساس تلك القواعد
إلى آخر ما قال .
وكأن سيدة نساء عصرها ( زينب ) عليها السلام أشارت إلى هذا المعنى بقولها مخاطبة
يزيد : وسيعلم من سول لك ، ومكنك من رقاب المسلمين .
بل أشار إليه معاوية ، إذ كتب إليه محمد بن أبي بكر يلومه في تمرده على أمير المؤمنين
عليه السلام ، ويذكر له فضله وسابقته فكتب له معاوية في الجواب ما يتضمن الإشارة إلى
المعنى الذي نظمه الكميت ، فراجع ذلك الجواب في كتاب " صفين " لنصر بن مزاحم أو
" شرح النهج " الحديدي أو " مروج الذهب " للمسعودي .
وقد اعترف بذلك المعنى يزيد بن معاوية ، إذ كتب إليه ابن عمر يلومه على قتل الحسين
فأجابه : أما بعد ، فإنا أقبلنا على فرش ممهدة ، ونمارق منضدة . . . إلى آخر الكتاب ، وقد نقله
البلاذري وغيره من أهل السير والأخبار ، وفي كتابنا سبيل المؤمنين من هذا شئ كثير ،
فحقيق بالباحثين أن يقفوا عليه .
أقول : ولكي يطلع القارئ على مضمون هذه الرسائل نذكرها هنا ، فالرسالة التي كتبها
محمد بن أبي بكر فيها حقائق دامغة لكل باحث عن الحقيقة ، فهي تصف معاوية بأنه ضال
مضل ، وأنه لعين ابن لعين ، وأنه يعمل كل ما في وسعه لإطفاء نور الله ويبذل الأموال
لتحريف الدين ويبغي لدين الله الغوائل ، وأنه عدو لله ولرسوله . . .
والذي يهمنا هنا هو رد معاوية بن أبي سفيان على هذه الرسالة ، لتعرف - أيها الباحث -
حقيقة وخفايا ودسائس التاريخ ، وتكشف من خلالها خيوط المؤامرة التي أبعدت الخلافة
عن صاحبها الشرعي وتسببت في انحراف الأمة ، فإليك الرسالة والرد عليها :
كتاب محمد بن أبي بكر إلى معاوية
من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر :
سلام على أهل طاعة الله ، ممن هو سلم لأهل ولاية الله ، أما بعد :
فإن الله بجلاله وعظمته وسلطانه وقدرته . . . - إلى أن قال : - فكان أول من أجاب وأناب
وآمن وصدق وأسلم وسلم ، أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام صدقه بالغيب
الكتوم وآثره على كل حميم ، ووقاه بنفسه كل هول وواساه بنفسه في كل خوف ، وحارب
حربه وأسلم سلمه . . .
وقد رأيتك تساميه ، وأنت أنت ، وهو السابق المبرز في كل خير ، أول الناس إسلاما ،
وأصدق الناس نية ، وأفضل الناس ذرية وخير الناس زوجة . . . وأنت اللعين ابن اللعين ، لم
تزل أنت وأبوك تبغيان لدين الله الغوائل ، وتجهدان في إطفاء نور الله ، تجمعان على ذلك
الجموع ، وتبذلان فيه المال وتؤلبان عليه القبال .
إلى أن قال : فكيف يا لك الويل تعدل نفسك بعلي وهو وارث رسول الله صلى الله عليه
وآله ووصيه وأبو ولده ، وأول الناس له اتباعا وأقربهم به عهدا ، يخبره بسره ويطلعه على
أمره ، وأنت عدوه وابن عدوه ؟ ! . . .
رد معاوية على محمد بن أبي بكر
من معاوية بن صخر إلى الزاري على أبيه محمد بن أبي بكر .
سلام على أهل طاعة الله ، أما بعد :
فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في عظمته وقدرته وسلطانه ، وما أصفى به رسول
الله صلى الله عليه وسلم مع كلام كثير ألفته ووضعته لرأيك فيه تضعيف ، ولأبيك فيه تعنيف ،
ذكرت فيه فضل ابن أبي طالب وقديم سوابقه وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم
ونصرته له ومواساته إياه في كل هول وخوف ، فكان احتجاجك علي وفخرك بفضل غيرك
لا بفضلك ، فأحمد ربا صرف هذا الفضل عنك وجعله لغيرك .
فقد كنا وأبوك معنا في حياة نبينا نعرف حق ابن أبي طالب لازما لنا ، وفضله مبرزا علينا ،
فلما اختار الله لنبيه عليه الصلاة والسلام ما عنده ، وأتم له ما وعده ، وأظهر دعوته ، وأفلج
حجته ، وقبضه الله إليه صلوات الله عليه ، كان أبوك وفاروقه أول من ابتزه حقه وخالفه على
أمره ، على ذلك اتفقا واتسقا ، ثم إنهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما ، فهما به
الهموم وأرادابه العظيم ، ثم إنه بايعهما وسلم لهما ، وأقاما لا يشركانه في أمرهما ولا يطلعانه
على سرهما ، حتى قبضهما الله وانقضى أمرهما ، ثم قام ثالثهما عثمان فهدي بهديهما وسار
بسيرتهما ، فعبته أنت وصاحبك حتى طمع فيه الأقاصي من
أهل المعاصي فطلبتما له الغوائل
حتى بلغتما فيه مناكما .
فخذ حذرك يا ابن أبي بكر ، فسترى وبال أمرك ، وقس شبرك بقترك تقصر عن أن توازي
أو تساوي من يزن الجبال حلمه ، ولا تلين على قسر قناته ، ولا يدرك ذو مدى أناته .
أبوك مهد له مهاده ، وبنى ملكه وشاده ، فإن يك ما نحن فيه صوابا فأبوك أوله ، وإن يكن
جورا فأبوك استبد به ونحن شركاؤه ، فبهديه أخذنا ، وبفعله اقتدينا ، ولولا ما فعل أبوك من
قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ، ولسلمنا إليه ، ولكنا رأينا أباك فعل ذلك من قبلنا ، فاحتذينا
مثاله ، واقتدينا بفعاله ، فعب
أباك بما بدا لك أو دع ، والسلام على من أناب ورجع من غوايته
وتاب .
أنظر جمهرة رسائل العرب 1 : 475 - 477 ، مروج الذهب للمسعودي 3 : 11 - 12 .
ونستنتج من هذا الرد بأن معاوية لا ينكر فضائل علي بن أبي طالب ومزاياه ، ولكنه تجرأ
عليه احتذاء بأبي بكر وعمر ، ولولاهما لما استصغر شأن علي ولا تقدم عليه أحد من الناس ،
كما يعترف معاوية بأن أبا بكر هو الذي مهد لبني أمية وهو الذي بنى ملكهم وشاده .
ونفهم كذلك من هذه الرسالة بأن معاوية لم يقتد برسول الله صلى الله عليه وآله ولم يهتد
بهديه ، عندما اعترف بأن عثمان هدى بهدي أبي بكر وعمر وسار بسيرتهما .
ولتعميم الفائدة لا بأس بذكر الرسالة الثانية والتي رد فيها يزيد بن معاوية على ابن عمر ،
وهي على اختصارها ترمي نفس المرمى :
كتاب عبد الله بن عمر إلى يزيد بن معاوية
أخرج البلاذري في تاريخه قال :
لما قتل الحسين بن علي بن أبي طالب ، كتب عبد الله بن عمر رسالة إلى يزيد بن معاوية
جاء فيها :
أما بعد ، فقد عظمت الرزية وجلت المصيبة ، وحدث في الإسلام حدث عظيم ، ولا يوم
كيوم قتل الحسين .
رد يزيد على كتاب ابن عمر
فكتب إليه يزيد :
أما بعد ، يا أحمق ! فإنا جئنا إلى بيوت مجددة ، وفرش ممهدة ، ووسائد منضدة ، فقاتلنا عنها !
فإن يكن الحق لنا فعن حقنا قاتلنا ، وإن كان الحق لغيرنا فأبوك أول من سن هذا واستأثر
بالحق على أهله .
وفي رد معاوية على ابن أبي بكر ، ورد يزيد على ابن عمر نجد نفس المنطق ونفس
الاحتجاج ، وهو لعمري أمر ضروري يقره الوجدان ، ويدركه كل عاقل ولا يحتاج في
الحقيقة إلى شهادة معاوية وابنه يزيد .