نعم ، لا يصحّ الخروج عن الإطلاقات المقتضية للتكليف بالواقع ، إلَّا فيما ثبت تقييدها به .
وإذ تمهّد ذلك ، فنقول صرّح جماعة من الأصوليين ، بل عن المشهور : وجوب الاجتناب عن الجميع في الشبهة المحصورة ، ولزوم الموافقة القطعية . وذهب جمع من الأجلَّة ، منهم المحقق القمّي ، ووالدي العلَّامة « 1 » إلى حلَّية غير ما يساوي الحرام تخييرا ، فلا يجب القطع بالموافقة ، بل يحرم المخالفة القطعية ، وعن بعضهم حلَّية الجميع تدريجا وعدم حرمة المخالفة القطعية ، ونسب ذلك إلى العلَّامة المجلسي .
والحقّ هو الثاني .
لنا على عدم وجوب الموافقة القطعية وجهان :
أحدهما : انتفاء التكليف بالمعلوم الإجمالي الواقعي بعينه بالنسبة إلى الجاهل ، لأدلَّة البراءة عما لا يعلم حرمته ، كقوله عليه السّلام : « كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه » « 2 » . وقوله عليه السّلام : « كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه » « 3 » ، المخصّصة لعموم دليل تحريم العنوان المشتبه ، كقوله : « اجتنب عن الخمر مثلا » ، المطلق بالنسبة إلى علم المكلف وجهله ، فيقيد بما ذكر .
وخصوصية موضوعه في الخطاب بالنسبة إلى موضوع أدلَّة البراءة لا يرفع حكم التقييد بها لعدم مدخلية خصوصية العنوان في ذلك .
قيل : هذه الأخبار وأمثالها لا يصلح للمنع ، لأنها كما تدلّ على حلَّية كلّ واحد من المشتبهين ، كذلك تدلّ على حرمة ذلك المعلوم الإجمالي ، لأنّه شيء يعلم حرمته .
هامش
« 1 » مستند الشيعة 2 : 391 .
« 2 » لم نقف عليه .
« 3 » وسائل الشيعة 24 : 236 ، الباب 64 من أبواب الأطعمة المحرّمة ، الرواية 30425 .