الذين دفنوا في أسمالهم ، لاصقة بطونهم بظهورهم ، ليس
بينهم وبين الله حجاب ، ولا تفتنهم الدنيا ولا يفتنون بها ، رغبوا
فطلبوا فما لبثوا أن لحقوا ، فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا
المبلغ مع كبر سنك ورسوخ علمك وحضور أجلك ، فكيف
يسلم الحدث في سنه ، الجاهل في علمه ، المأفون في رأيه ،
المدخول في عقله . إنا لله وإنا إليه راجعون . على من المعول ؟
وعند من المستعتب ؟ نشكوا إلى الله بثنا وما نرى فيك
ونحتسب عند الله مصيبتنا بك .
فانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا ، وكيف
إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلا ، وكيف
صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيرا ، وكيف
قربك أو بعدك ممن أمرك أن تكون منه قريبا ذليلا . مالك لا
تنتبه من نعستك وتستقيل من عثرتك فتقول : والله ما قمت لله
مقاما واحدا أحييت به له دينا أو أمت له فيه باطلا ، فهذا
شكرك من استحملك ، ما أخوفني أن تكون كمن قال الله
تعالى في كتابه : * ( أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف
يلقون غيا ) * ( 1 ) استحملك كتابه واستودعك علمه فأضعتها ،
فنحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به والسلام ( 2 ) .
هامش
( 1 ) سورة مريم : الآية 59 .
( 2 ) تحف العقول لابن شعبة الحراني : 281 - 284 .