ولما كان العقل هو ما به الإنسان إنسان ، وبه تعلم الأسماء وأسرار الوجود ،
وصار معلم الملائكة ، ومسخر ما في السماوات والأرض ، فلابد للإنسان من
معرفة العقل وما يصلحه وما يفسده ، وما يكمله وما ينقصه ، لذا أوصى ( عليه السلام )
هشام بن الحكم بوصية في العقل ، من تدبر في كل جملة منها انفتحت عليه
أبواب من الحكمة ، ونقتصر بذكر بعضها ، ولا مجال لشرحها :
" يا هشام ، ما بعث الله أنبيائه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله ، فأحسنهم استجابة أحسنهم
معرفة ، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا ، وأكملهم عقلا أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة .
يا هشام ، إن لله على الناس حجتين : حجة ظاهرة وحجة باطنة ، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء
والأئمة ( عليهم السلام ) ، وأما الباطنة فالعقول .
يا هشام ، إن العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره ، ولا يغلب الحرام صبره .
يا هشام ، من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله : من أظلم نور تفكره بطول أمله ،
ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه ، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه ، فكأنما أعان هواه على هدم
عقله ، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه .
يا هشام ، نصب الحق لطاعة الله ، ولا نجاة إلا بالطاعة ، والطاعة بالعلم ، والعلم بالتعلم ، والتعلم
بالعقل يعتقد ، ولا علم إلا من عالم رباني ، ومعرفة العلم بالعقل .
يا هشام ، إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب ، وترك الدنيا من الفضل ، وترك الذنوب
من الفرض .
يا هشام ، إن العاقل نظر إلى الدنيا وإلى أهلها فعلم أنها لا تنال إلا بالمشقة ، ونظر إلى الآخرة فعلم
أنها لا تنال إلا بالمشقة ، فطلب بالمشقة أبقاهما .
يا هشام ، إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة ، لأنهم علموا أن الدنيا طالبة ومطلوبة ،
والآخرة طالبة ومطلوبة ، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه ، ومن طلب الدنيا طلبته
مقدمة في أصول الدين — صفحة 401
مساهمون: الشيخ وحيد الخراساني
ص٤٠١