احتفر لأخيه بئرا سقط فيها ، ومن داخل السفهاء حقر ، ومن خالط العلماء وقر ، ومن دخل مداخل السوء
اتهم .
يا بني إياك أن تزري بالرجال فيزرى بك ، وإياك والدخول فيما لا يعنيك فتذل .
يا بني قل الحق لك وعليك تستشار من بين أقرانك .
يا بني كن لكتاب الله تاليا وللإسلام فاشيا ، وبالمعروف آمرا ، وعن المنكر ناهيا ، ولمن قطعك واصلا ،
ولمن سكت مبتدئا ، ولمن سألك معطيا ، وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال ، وإياك
والتعرض لعيوب الناس ، فمنزلة المعترض لعيوب الناس كمنزلة الهدف .
يا بني إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه ، فإن للجود معادن ، وللمعادن أصولا وللأصول فروعا
وللفروع ثمرا ، ولا يطيب ثمر إلا بفرع ، ولا فرع إلا بأصل ، ولا أصل ثابت إلا بمعدن طيب .
يا بني إذا زرت فزر الأخيار ولا تزر الفجار ، فإنهم صخرة لا يتفجر ماؤها ، وشجرة لا يخضر ورقها ، وأرض
لا تظهر عشبها .
قال علي بن موسى : فما ترك أبي الوصية إلى أن توفي ( 1 ) .
وفي كل عبارة من كلمات هذه الوصية إشارات ولطائف ودقائق وحقائق ،
فمن تأمل في كلمة منها وهي قوله ( عليه السلام ) : قل الحق لك وعليك يرى أن قيام السماوات
والأرض بالحق ، ولا يمكن تحقق ما في تصور الحكماء من المدينة الفاضلة إلا
بإحقاق الحق ، ولا يصل كل إنسان إلى الكمال المطلوب له من خلقه إلا بالتخلية
عن الباطل ، والتحلية بالحق .
وكل ما يتعلق بالإنسان إما له وإما عليه ، فإذا دار فيهما مدار الحق يرضى
عنه الخالق والخلق ، فإذا قال الحق له وعليه ، فأول ما يستفيد منه أن النفوس
المفطورة على محبة الحق والتنفر عن الباطل تطمئن اليه وتحبه ، ويصير قسطاسا
هامش
( 1 ) كشف الغمة ج 2 ص 184 ، تهذيب الكمال ج 5 ص 89 ، سير أعلام النبلاء ج 6 ص 262 .