فهو الذي تخلق بأخلاق الله ، وتجلت فيه أسماء الله ، بغفرانه الذنوب ، وستره
العيوب ، وظهور الرحمة العامة والخاصة من حضرته .
وقد أمره أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يوما أن يخطب ، قام فقال : " الحمد لله الواحد بغير تشبيه ،
الدائم بغير تكوين ، القائم بغير كلفة ، الخالق بغير منصبة ، الموصوف بغير غاية ، المعروف بغير محدودية ،
العزيز لم يزل قديما في القدم ، ردعت القلوب لهيبته ، وذهلت العقول لعزته ، وخضعت الرقاب
لقدرته ، فليس يخطر على قلب بشر مبلغ جبروته ، ولا يبلغ الناس كنه جلاله ، ولا يفصح الواصفون منهم
لكنه عظمته ، ولا تبلغه العلماء بألبابها ، ولا أهل التفكر بتدبير أمورها ، أعلم خلقه به الذي بالحد لا يصفه ،
يدرك الأبصار ، ولا تدركه الأبصار ، وهو اللطيف الخبير .
أما بعد ، فإن عليا باب من دخله كان مؤمنا ، ومن خرج منه كان كافرا ، أقول قولي هذا وأستغفر
الله العظيم لي ولكم " .
فقام علي بن أبي طالب وقبل بين عينيه ، ثم قال : " ذرية بعضها من بعض والله
سميع عليم " ( 1 ) .
فقد جمع ( عليه السلام ) في هذه الخطبة القصيرة جميع ما يتعلق بالمعارف الإلهية ، مما
يتعلق بذاته تعالى وصفاته وأفعاله .
وقد اشتمل قوله ( عليه السلام ) : " الحمد لله الواحد بغير تشبيه " في بدء خطبته على الإثبات
والنفي ، أي حقيقة التوحيد ، وإخراج العقول عن حد التعطيل والتشبيه .
وفي قوله ( عليه السلام ) في ختامها : " اعلم خلقه به الذي بالحد لا يصفه " إبطال التفكر في ذاته
وصفاته ، وأن كل وصف إلا ما وصف الله به نفسه ينتهي إلى التحديد ، وهو تثنية
هامش
( 1 ) تفسير فرات الكوفي ص 80 ذيل آية 34 سورة آل عمران ، الدروع الواقية ص 188 ترجمة الإمام الحسن
( عليه السلام ) لابن عساكر ص 145 .