بما ان إحقاق الحقوق مما يتوقف عليه نظام الدين والدنيا ، كما قال ( عليه السلام ) : " فإن
الحكم في إنصاف المظلوم من الظالم ، والأخذ للضعيف من القوي ، وإقامة حدود الله على سنتها .
ومنهاجها ، مما يصلح عباد الله وبلاده " ، لذا اشترط ( عليه السلام ) في القاضي ما يتحقق به الغرض من
القضاء الذي هو من مناصب الأنبياء والأوصياء ، فقال ( عليه السلام ) : " ثم اختر للحكم بين الناس
أفضل رعيتك في نفسك [ وأنفسهم للعلم والحلم والورع والسخاء ] ، ممن لا تضيق به الأمور ، ولا تمحكه
الخصوم ، ولا يتمادى في [ إثبات ] الزلة ، ولا يحصر من الفئ إلى الحق إذا عرفه ، ولا تشرف نفسه على
طمع ، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ، وأوقفهم في الشبهات ، وآخذهم بالحجج ، وأقلهم تبرما
بمراجعة الخصم [ الخصوم ] ، وأصبرهم على تكشف الأمور ، وأصرمهم عند اتضاح الحكم ، ممن لا يزدهيه إطراء ،
ولا يستميله إغراء [ اغراق ] ، [ ولا يصغي للتبليغ ، فول قضائك من كان كذلك وهم ] وأولئك قليل ، . . . " .
فإذا كان القاضي عالما حليما ورعا سخيا ، لا يؤثر فيه تطميع ، ولا يتأثر
بتخويف ، متوقفا عند الشبهة ، قاطعا للخصومة عند اتضاح الحكم ، لا يكتفي في
الحكم إلا بأقصى مراتب الفهم لاستكشاف الحق ، وكان أصبرهم على كشف
الأمر ، وإذا عرف الحق لا يصرفه عنه صارف بلغ ما بلغ ، فإن قضاء مثله يكون
مصلحا للعباد وعامرا للبلاد ، وما أراد الله من الحكام من الحكم بالحق والعدل
{ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } ( 1 ) ، { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض
فاحكم بين الناس بالحق } ( 2 ) .
*
هامش
( 1 ) سورة النساء : 58 .
( 2 ) سورة ص : 26 .