فتغافل عنه ( 1 ) ثم أرسل إلى الربيع رسالة قبيحة أغلظ فيها وأمره أن يبعث من
يحضر جعفرا ففعل ، فلما أتاه قال له : يا أبا عبد الله اذكر الله فإنه أرسل إليك إلى ما
لا دافع له غير الله .
قال جعفر : ( لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ) ثم إن الربيع أعلم
المنصور بحضوره ، فلما دخل جعفر عليه أوعده وأغلظ وقال : أي عدو الله
اتخذك أهل العراق إماما يجبون إليك زكاة أموالهم وتلحد في سلطاني وتبغيه
الغوائل ، قتلني الله إن لم أقتلك .
فقال له : ( يا أمير المؤمنين إن سليمان ( عليه السلام ) أعطى فشكر وإن أيوب ( عليه السلام )
ابتلى فصبر وإن يوسف ( عليه السلام ) ظلم فغفر فأنت من ذلك السنخ ) .
فلما سمع المنصور كلامه قال له : إلي وعندي أبا عبد الله أنت البرئ الساحة ،
السليم الناحية ، القليل الغايلة ، جزاك الله من ذي رحم أفضل ما جزى ذوي
الأرحام عن أرحامهم . ثم تناول يده ، فأجلسه معه على فراشه ثم قال : علي
بالطيب فاتى بالغالية ( 2 ) ، فجعل يغلف لحية جعفر بيده حتى تركها تقطر ثم قال :
في حفظ الله وكنفه ، ثم قال : يا ربيع إلحق أبا عبد الله جائزته وكسوته .
انصرف أبا عبد الله في حفظه ، فانصرف .
قال الربيع : ولحقته فقلت له : إني رأيت قبلك ما لم تره ، ورأيت بعدك ما
رأيته ، فما قلت يا أبا عبد الله حين دخلت ؟
قال : قلت : اللهم احرسني بعينك التي لا تنام ، وأكنفني بركنك الذي لا يرام ،
وأغفر لي بقدرتك علي ، فلا أهلك وأنت رجائي ، اللهم إنك أكبر وأجل مما
أخاف وأحذر ، اللهم بك أدفع في نحره ، وأستعيذ بك من شره ، ففعل الله بي ولي
هامش
1 - في نسخة ( ع ) زيادة : الربيع .
2 - الغالية : هو نوع من الطيب ، مركب من مسك وعنبر وعود ودهن . لسان العرب 15 : 134 .