وحسرة تضنيه ، في موقف مهيل ، ومشهد جليل ، بين يدي ملك عظيم ، بكل
صغيرة وكبيرة عليم ، فحينئذ يلجمه عرقه ، ويحفزه قلقه ، فعبرته غير مرحومة ،
وصرخته غير مسموعة ، وبرزت صحيفته وتبينت جريرته فنظر في سوء عمله ،
وشهدت عينه بنظره ، ويده ببطشه ، ورجله بخطوه ، وجلده بلمسه ، وفرجه بمسه ،
وتهدده منكر ونكير ، وكشف له حيث يصير ، فسلسل جيده ، وغلت يده ، وسيق
يسحب وحده ، فورد جهنم بكرب شديد ، وضل يعذب في ( جهنم ) ( 1 ) جحيم ،
ويسقى شربة من حميم ، تشوي وجهه ، وتسلخ جلده ، يستغيث فيعرض عنه
خزنة جهنم ، ويستصرخ خفية بندم .
نعوذ برب قدير ، من شر كل مصير ، ونسأل عفو من رضى عنه ، ومغفرة من
قبل منه وهو ولي مسألتي ، ومنجح طلبتي ، فمن زحزح عن تعذيب ربه جعل في
جنته بقربه ، وخلد في قصور ونعمة وملك بحور عين وتقلب في نعيم ، وسقي من
تسنيم مختوم بمسك وعبير يشرب من خمر معذوذب شربه ليس تنزف لبه .
هذه منزلة من خشي ربه ، وحذر نفسه وتلك عقوبة من عصى مشيئته ،
وسولت له نفسه معصيته ، لهم قول فصل خير قصص قص ووعظ به ونص ،
* ( تنزيل من حكيم حميد ) * ( 2 ) ( 3 ) .
فهذه خطبة أسجلها من علم بيانه المؤتلف ، وارتجلها لوقته عرية عن الألف ،
وجعلها عنوان علمه المتنوع ، وفضله المختلف ، تشهد أن العناية الربانية مرت له
اخلاف العلوم والآداب ، واستخرجت بمخضها له من زبد الأوطاب ، وأنزلت
هامش
1 - ليس في ( م ) .
2 - فصلت 41 : 42 .
3 - شرح نهج البلاغة 19 : 140 .