فقالوا : أناس من شيعتك يا أمير المؤمنين .
فقال لهم خيرا ، ثم قال : يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا ، وحلية
أحبتنا ؟
فأمسك القوم حياء ، فاقبل عليه جندب والربيع فقالا له : ما سمة شيعتكم
يا أمير المؤمنين ؟ فسكت ، فقال همام - وكان عابدا مجتهدا - : أسألك بالذي
أكرمكم أهل البيت وخصكم وحباكم لما أنبأتنا بصفة شيعتكم .
فقال ( عليه السلام ) : شيعتنا : هم العارفون بالله ، العاملون بأمر الله ، أهل الفضائل ،
والناطقون بالصواب ، مأكولهم القوت ، وملبسهم الإقتصاد ، ومشيهم ( 1 ) التواضع ،
نجعوا لله بطاعته ، وخضعوا له بعبادته ، فمضوا غاضين أبصارهم عما حرم الله
عليهم ، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم ، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي
نزلت منهم في الرخاء ، رضا عن الله تعالى بالقضاء ، فلولا الآجال التي كتب الله
لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى لقاء الله والثواب ،
وخوفا من أليم العقاب ، عظم الخالق في أنفسهم ، وصغر ما دونه في أعينهم ، فهم
والجنة كمن رآها فهم على أرائكها متكئون ، وهم والنار كمن رآها فهم فيها
يعذبون ، صبروا أياما قليلة فأعقبتهم راحة طويلة ، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ،
وطلبتهم فاعجزوها ، أما الليل : فصافون أقدامهم ، تالون ( لأجزاء القرآن ) ( 2 )
يرتلونه ترتيلا ، يعضون أنفسهم بأمثاله ، ويستشفون لدائهم بدواءه تارة وتارة ،
مفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم ، تجري دموعهم على
خدودهم ، يمجدون جبارا عظيما ، ويجارون إليه في فكاك رقاب ، هذا ليلهم .
وأما نهارهم : فحكماء علماء ، بررة أتقياء ، براهم خوف بارئهم ، فهم
كالقداح ، تحسبهم مرضى وقد خولطوا وما هم بذلك ، بل خامرهم من عظمة
هامش
1 - في نسخة ( ع ) : ومشيتهم .
2 - أثبتناه من نسخة ( م ) .