امرؤ عبثا فيهلو ولا ترك سدى فيلغو ، وما دنياه التي تحسنت له بخلف من الآخرة
التي قبحها سوء ( النظر ) ( 1 ) عنده وما المغرور بزخرفها الدني بناج من عذاب ربه
عند مرده إليه ( 2 ) ) .
وله ( عليه السلام ) في هذا الباب من التنفير عن الدنيا والتنفير عن مساوئها جواهر
حكم مبثوثة ( 3 ) في غصون خطبه مندرجة في مطاوي مواعظه ، منظومة في عقود
كلامه ، لم أر اقتطاعها منها ولا فصلها عنها ستأتي مسرودة في الفصل المرصد
لبيان فصاحته ، وإيراد بلغة من عيون بلاغته إن شاء الله تعالى واقتصرت في هذا
الفصل على هذه النبذة فإنها مع قلتها وافية بالغرض في دلالتها على معرفته
بالدنيا ، فلهذا لما فهمها اتهمها وحين عرفها صرفها وإذا استبانها أبانها ومذ
تحققها طلقها وحيث تبين إقبالها بايضاعها وتيقن احتيالها بخداعها ، رفض مقتنى
متاعها وادحض مستحلى ارتضاعها ، فارتدى لباس الزهادة فيها وامتطى مطي
الرغبة عنها ، فصار زهده فيها شعارا مدركا بالابصار وأثرا حقيقيا لا يقابل دعوى
وجوده بالإنكار حتى توارت منه متون الأخبار وتجاهرت به أقوال أئمة الأمصار .
فمنها : أن ابن النباح خازن بيت المال جاءه يوما فقال : يا أمير المؤمنين قد
امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء .
فقال ( عليه السلام ) : ( الله أكبر - ثم قام متوكئا على الخازن حتى قام على بيت المال -
فقال :
هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه
هامش
1 - في نسخة ( ع ) : ظنه ، وما أثبتناه من المصدر .
2 - شرح النهج 19 : 300 خطبة 376 ، إعجاز القرآن للباقلاني : 163 ، ربيع الأبرار 1 : 97 .
3 - في نسخة ( م ) : مثبوتة .