يبلغهم فيه النص . مثل اتفاقهم على المضاربة ومنازعتهم في المساقاة والمزارعة وهما ثابتان بالنص ، والمضاربة ليس فيها نص ، وإنما فيها عمل الصحابة رضي الله عنهم .
ولهذا كان فقهاء الحديث يؤصلون أصلاً بالنص ويفرعون عليه لا ينازعون في الأصل المنصوص ويوافقون فيما لا نص فيه ، ويتولد من ذلك ظهور الحكم المجمع عليه لهيبة الاتفاق في القلوب وأنه ليس لأحد خلافه .
وتوقف بعض الناس في الحكم المنصوص . وقد يكون حكمه أقوى من المتفق عليه . وإن خفي مدركه على بعض العلماء فليس ذلك بمانع من قوته في نفس الأمر حتى يقطع به من ظهر له مدركه .
ووضع الجوائح من هذا الباب ، فإنها ثابتة بالنص ، وبالعمل القديم الذي لم يعلم فيه مخالف من الصحابة والتابعين ، وبالقياس الجلي والقواعد المقررة ، بل عند التأمل الصحيح ليس في العلماء من يخالف هذا الحديث على التحقيق .
وذلك أن القول به هو مذهب أهل المدينة قديماً وحديثاً ، وعليه العمل عندهم من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمن مالك وغيره ، وهو مشهور عن علمائهم كالقاسم ابن محمد ويحيى بن سعيد القاضي ومالك وأصحابه ، وهو مذهب فقهاء الحديث كالإمام أحمد وأصحابه وأبي عبيد والشافعي في قوله القديم . وأما في القول الجديد فإنه علق القول به على ثبوته لأنه لم يعلم صحته ، فقال رضي الله عنه : لم يثبت عندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح ، ولو ثبت لم أعده ، ولو كنت قائلاً بوضعها لوضعتها في القليل والكثير .
فقد أخبر أنه إنما لم يجزم به لأنه لم يعلم صحته . وعلق القول به على ثبوته ، فقال : لو ثبت لم أعده . والحديث ثابت عند أهل الحديث لم يقدح فيه أحد من علماء الحديث بل صححوه ورووه في الصحاح والسنن رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة والإمام أحمد . فظهر وجوب القول به على أصل الشافعي أصلاً .
مجموعة الرسائل والمسائل — صفحة 212
مساهمون: ابن تيمية
ص٢١٢