أمور عالم الخلق ونظامه المقدر والمقرر ، غير العلم بالنظام والتقدير ، وعلم الله وإن
كانت حقيقته التي هي حقيقة الذات عينها غير معلومة لأحد ، إلا أننا نعلم هذا القدر
وهو أن غير العلم مخلوق . إذن فلا يمكن القول : بأنه إذا كانت أفعال العباد مخلوقة بخلق
التقدير فمن علم النبي فقد خلقه .
والانصاف أنه لا يرد على الصدوق أي إشكال ، وما قاله الصدوق وتوضيحنا عليه
هو ما قاله الشيخ المفيد في ذيل ( باب الجبر والتفويض ) .
وعلى كل حال فما قاله المفيد هو الحقيقة عينها ، وهو أن ( الله تعالى متعال عن
خلق الفواحش والقبائح على كل حال ) وهذه حقيقة يعتقد بها الصدوق وأهل العلم
جميعا والشيعة قاطبة ، والآيات والروايات صريحة في ذلك ، ولايتهم أي شيعي بغير
هذا الاعتقاد .
أما الاستدلال بخصوص الآية ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) ( 1 ) فمحل نظر
وتأمل ، لأننا إذا لم نقل : إن الخلق - هنا - ظاهر في معناه المصدري وهو الإيجاد ، لا بمعنى
اسم المصدر ، فإن المعنى الثاني ليس بأرجح من المعنى الأول .
الاعتقاد في نفي الجبر والتفويض
قال الشيخ أبو جعفر الصدوق : اعتقادنا في الجبر والتفويض قول الإمام
الصادق ( عليه السلام ) ( لاجبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين ) فقيل له : وما أمر بين أمرين ؟
فقال : ذلك مثل رجل رأيته على معصيته فنهيته فلم ينته ، فتركته ، ففعل تلك
المعصية ، فليس حيث لا يقبل منك فتركته ، كنت أنت الذي أمرته بالمعصية ) .
ولتوضيح هذا الحديث الشريف وقبل التعرض إلى كلام الشيخ أبي عبد الله المفيد
نقول : يحتمل أن يكون المراد أن الأمور غير مفوضة إلى الناس أنفسهم ، وإلا لكان كل
من التكليف والأمر والنهي في غير محله ، كما أن الاختيار لم يسلب منهم ، وإلا لما كان
يتحقق منهم العصيان في التكاليف .
هامش
( 1 ) الملك - 3