وبعبارة أخرى هي إنشاء ما يصلح لأن يكون داعيا له إلى الفعل المأمور به ، وزاجرا
عن الفعل المنهي عنه ، لأن ينبعث نحو الفعل من ينبعث بأمره ، وينتهي عن المنهي عنه
من ينتهي عن نهيه ، ويتم الحجة على غيره ممن يستخف بأمره ، ولا يعتني به .
وهذا أمر يجتمع مع الإرادة الحقيقية والجدية ، التي هي روح الحكم تارة ، ويفارقها
أخرى ، فإذا علم المولى من حال عبده أنه ينبعث بأمره ، وينزجر بنهيه ، وإن أمره
يدعوه إلى إطاعته وامتثاله ، يريد منه بالإرادة الجدية ، والطلب الحقيقي فعل ما أمره به ،
وترك ما نهاه عنه ، فأمره ونهيه بالنسبة إلى هذا العبد يكون حقيقيا جديا .
وإذا علم من حاله أنه لا يؤثر فيه أمر المولى ، ولا يحركه بشئ ، ولا يصير داعيا له
نحو الإطاعة والامتثال ، فلا يعقل أن يكون أمره ونهيه بالنسبة إلى هذا العبد حقيقيا ،
ولا يقترن مثل هذا الأمر والنهي بإرادة الآمر والناهي الجدية ، فالأمر والطلب في
الصورة الأولى يكون حقيقيا مجامعا مع الإرادة الجدية ، وفي الصورة الثانية يكون
صوريا ، ولإتمام الحجة وقطع العذر .
وبالجملة فلا يعقل إرادة الانبعاث الجدية ، والطلب الحقيقي ممن يعلم أنه لا ينبعث
بأمر المولى ، فلا يعقل أن يقول ( قم ) أو ( لا تزن ) أو ( لا تشرب الخمر ) ويريد القيام ،
وترك الزنا وترك الخمر بالإرادة الجدية ممن يعلم أنه لا ينبعث بهذا الأمر ولا يأتمر به ،
ولا ينزجر عن الزنا وشرب الخمر ، ولا ينتهي بنهيه عنهما حتى لو كان المولى من الموالي
العرفيين ، ولم يعلم ذلك من العبد ، واحتمل في حقه تأثير أمره فيه ، وانبعاثه به ،
وتحريكه نحو الفعل ، لا تتأتى منه الإرادة الجدية بمجرد ذلك الاحتمال ، بل إنما يأمر ،
وينهى رجاء انبعاث عبده أو انتهائه .
والحاصل أنه لا يعقل تعلق الإرادة الجدية ، والطلب الحقيقي بصدور فعل عمن
يعلم المريد أنه لا يفعله ، والأمر أو النهي في هذه الصورة لا يكون إلا صوريا .
وما ذكرناه يستفاد من كثير من الآيات القرآنية الكريمة كقوله تعالى ( لينذر من كان
حيا ويحق القول على الكافرين ) ( 1 )
هامش
( 1 ) يس - 70