وقال لهم : ( أما وقد تنازعتم فلا تبيعوا الثمر قبل ظهور صلاحه ونضجه ) ومنع بذلك بيع
الثمر قبل ظهور صلاحه ، حتى لا يتعلل المشتري بما طرأ عليه من تلف ليرجع في الصفقة
أو ينقص له البائع من ثمنها الذي تبايعا عليه . . . ومعنى ذلك بوضوح أن أحكام
الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في مثل هذه الأمور الجزئية لم تكن على أساس وحي من الله نزل عليه
خاص بهذه الجزئية ، بل كانت باجتهاد منه وتقدير للمصلحة على ضوء الظروف التي
أمامه ) إلى آخره .
أقول : أولا ، لماذا لا يكون مثل هذا من النسخ ؟ وأن الحكم الأول قد نسخ بالثاني ،
ونسخ الحكم لا مانع من وقوعه إذا وقع في عصر الرسالة ، وإلا فهل يقول أحد بجواز العمل
بالحكم الأول إذا اقتضى اجتهاد المجتهد ذلك ، ولا يراه من الاجتهاد في مقابل النص ؟
وثانيا : لقائل أن يقول : ما كان عليه أهل المدينة من التبايع في الثمار قبل نضجها
وبدو صلاحها لم يكن من الأحكام الشرعية الموحى بها إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، بل كان المجتمع
في هذه القوانين والعادات التي كان ملتزما بها قبل بزوغ شمس النبوة الخاتمة باقيا على
حاله ، والأحكام إنما نزلت على الرسول ( صلى الله عليه وآله ) تدريجا وفي المناسبات ، فالحكم الشرعي
الإلهي الذي لا يتغير هو عدم جواز بيع الثمار قبل بدو صلاحها على التفاصيل المذكورة
في الفقه ، لا أن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) عدل عن رأيه الأول وظهر له خطؤه ، وأن الحكم الثاني كان
من رأيه أيضا وهو قابل للتغيير .
فالصحيح أن الحكم الثاني ثابت أبدا لا يتغير صارت الظروف ما صارت وتغيرت
الأحوال ما تغيرت ، والنص النبوي كالنص القرآني لافرق في ذلك بين المعاملات
والعبادات فكلها مصونة عن التغيير .
نعم الأحكام السلطانية التي تصدر تحقيقا لإجراء الأحكام الشرعية ، وحفظ
النظام ، وإقامة العدل ، وإيصال حق كل ذي حق إليه ، والدفاع عن حوزة الإسلام ، ربما
تحدد حريات الأفراد في أموالهم وأنفسهم في مقدار من الزمان ، وما دامت الضرورة
الموجبة للتحديد المذكور باقية ، فللحاكم مثلا أن يحكم على مالك الغلات بعرض غلته
للبيع عند احتياج الناس إليها دفعا للحرج عن العامة ، وحفظا للنفوس المحترمة .
مجموعة الرسائل — صفحة 183
مساهمون: الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني
ص١٨٣