عليها نظام العالم ، لكن أبواب الوصول إليه مفتوحة ، ومناهل الظماء لديه مترعة ،
دخلها قوم لم يسلكوا غير طريقتهم ، وشرب منها زمرة لم يشربوا من غير آنيتهم ،
فارجعي البصر كرتين [ ترينهم ] بين الناس مختفين ، وقد أشرنا إلى بعضهم في مطاوي
هذا الكتاب ، ولعل الله يوفقنا لاستقصاء جماعة منهم في رسالة منفردة تحن إليها قلوب
أولي الألباب ، فلو شابهتهم في الأعمال والأقوال ، وصرت كأحدهم في الأفعال
والأحوال ، كنت معهم عند تقسيم هذا النوال ، لكنك تدثرت بجلباب أعدائه ،
وأنخت راحلتك بغير فنائه ، تصبحين وتمسين ولا يجري ذكره على قلبك ولسانك ،
وتبتغين مرضاة رب العالمين وفضله ولا تقدميه في امامك ، فاتخذته وراءك ظهريا ، فكأنه
عليه السلام صار نسيا منسيا ، فصرت محرومة من خصائص لطفه ، ونفحات رحمته ،
فابك طويلا ، فقد عظم المصاب ، وطال العذاب ، وإلى الله المشتكى من اتصال الغفلة
وسوء المآب ( 1 ) .
وشيخنا الكفعمي - مؤلف هذا الكتاب - أيضا أخذ هذه الطريقة وانتهجها ،
لما فيها من الأثر الوضعي في القلب وتقوية الروح ، فجعل كتابه مخاطبة للنفس
وتنبيها لها ، فالكتاب حوار بين القوة العقلائية والقوة الشهوانية ، بين القلب والهوى ،
بين الروح الطاهرة والنفس الأمارة .
فعلى كل من يريد الوصول إلى الحق والحقيقة والجمال الروحي أن يحاسب
نفسه الأمارة ويخاطبها بهذه العبارات ، حتى يصرعها ويجعلها خاضعة إلى القوة
العقلائية ، ويجعلها مسيرة لا مسيرة ، فحينئذ يشملها الخطاب الرباني :
( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فأدخلي في عبادي
وادخلي جنتي ) ( 2 ) .
هامش
( 1 ) دار السلام 4 : 92 - 94 .
( 2 ) الفجر 89 : 27 - 30 .