المشروعة ( 1 ) . فليس منّا مَن ترك دنياه لآخرته وآخرته لدنياه ، بل كما جاء في كتاب
الله الكريم ( رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ) .
وليس في عرفان الصادق ( عليه السلام ) كلامٌ عن وصول العارف إلى اللّه وهو التفكير
الأساسي الذي دان به كثيرٌ من الصوفية والعرفاء في القرون التي تعاقبت بعد عصر
الصادق ( عليه السلام ) ، فالوصول إلى اللّه عند الصادق ( عليه السلام ) يطابق تماماً ما صوّره القرآن
الكريم ، أي إنّ الإنسان هو صنيع اللّه ومخلوقه وهو منه وإليه يرجع . وليس معنى
هذا إنّ الإنسان يلتحق بالذات الإلهية ويصبح جزءاً منها ، ولكنّ معناه أنّ الإنسان
مخلوقٌ ومصنوع ويظلّ هذا وضعه دائماً ويستحيل عليه أن يكون خالقاً ، ومتى مات
هامش
( 1 ) وكان هذا منهج الأئمة قبله ، فقد ذكر الإمام محمد عبده في شرحه على نهج البلاغة :
إنّ علاء بن زياد الحارثي - وهو من أغنياء البصرة - جاء إلى علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) يشكو
أخاه عاصماً بن زياد :
فقال علي ( عليه السلام ) : وما له ؟
قال : لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا .
قال عليّ ( عليه السلام ) : علَيَّ به ، علَيَّ به ، فلمّا جاء به ، قال له : يا عُدَيَّ نفسه . ( عُدَيّ تصغير عدوّ )
لقد استهام بك الخبيث ، أما رحمت أهلك وولدك ، أترى اللّه أحلّ لك الطيّبات ، وهو يكره
أن تأخذها ، أنت أهون على اللّه من ذلك .
قال : يا أمير المؤمنين ، هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك ؟
قال : ويحك إنّي لست كأنت ، إنّ اللّه تعالى فرض على أئمة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة
الناس كيلا يتبيّغ بالفقير فقره ( يقدروا : أي يقيسوا . ولا يتبيّغ : أي لا يهيج ) .
راجع " نهج البلاغة " شرح الإمام محمد عبده 3 : 400 - 401 ، طبع دار الأندلس -
بيروت - لبنان .