لكنّا وجدنا عند البلاذري رواية هي أشبه بما يتمتّع به ابن عباس من مواهب وحصافة رأي تسمو بصاحبها عن ذلك الرأي الفج ، والبلاذري هو أقدم من الطبري والمسعودي ، فقد روى في كتابه أنساب الأشراف في ترجمة الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بسنده عن أبي مخنف وغيره : « قال المغيرة بن شعبة ( لعليّ ) : أرى أن تقرّ معاوية على الشام وتثبت ولايته ، وتولي طلحة والزبير المصرَين يستقيم لك الناس .
فقال عبد الله بن العبّاس : إن الكوفة والبصرة عين المال ، وإن ولّيتهما إياهما لم آمن أن يضيّقا عليك ( 1 ) وإن ولّيت معاوية الشام لم تنفعك ولايته ، فقال المغيرة : لا أرى لك أن تنزع ملك معاوية فإنّه لا يتهمكم بقتل ابن عمه ، وإن عزلته قاتلك فولّه وأطعني ، فأبى وقبل قول ابن عباس » ( 2 ) .
ولعل منشأ انتزاع الروايات السابقة في تحوير رأي ابن عباس من عدم تولية معاوية إلى توليته ، هو ما أخرجه البلاذري عن أبي مخنف وغيره : « قال عليّ لعبد الله بن عباس : سر إلى الشام فقد بعثتك عليها ، فقال ابن عباس : ما هذا برأي ، معاوية ابن عم عثمان وعامله ، والناس بالشام معه وفي طاعته ، ولست آمن أن يقتلني بعثمان على الظنّة فإن لم يقتلني تحكّم عليّ وحبسني ، ولكن أكتب إليه
هامش
( 1 ) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 1 / 77 : طلب طلحة والزبير من عليّ ( عليه السلام ) أن يوليهما المصرين البصرة والكوفة فقال حتى أنظر .
ثمّ أستشار المغيرة بن شعبة فقال له : أرى أن توليهما إلى أن يستقيم لك أمر الناس . فخلا بابن عباس وقال : ما ترى ؟ قال : يا أمير المؤمنين وان الكوفة والبصرة عين الخلافة وبهما كنوز الرجال ومكان طلحة والزبير من الإسلام ما قد علمت ولست آمنهما إن ولّيتهما أن يحدثا أمراً ، فأخذ برأي ابن عباس .
( 2 ) أنساب الأشراف ( ترجمة الإمام ) / 209 تح المحمودي .