فهذا يدل على أنّ ثمّة دواعي للتفكير فيمن سيكون خليفة النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، حيث يقول الناس في طول المناجاة ما قالوا ، وحيث رأوا ان ليس أبو بكر أو عمر هو المعنيّ بقول الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ( رجلاً مني أو كنفسي ) ، إذ أوضح ذلك بأتم توضيح ، وفيه دلالة ليس على الترشيح بل بالنص الصريح فأخذ بيد عليّ ( عليه السلام ) فقال : ( هو هذا ) .
ثم تلاحقت الأيام فتكشفت الحقائق ، وجاء موسم الحج عام تسع من الهجرة فدعا النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أبا بكر وأرسله بتبليغ آيات من سورة براءة ، ثم سرعان ما أتبعه بعليّ ( عليه السلام ) ليستعيد منه ما أمره بتبليغه ويتولى عليّ ( عليه السلام ) ذلك ، فرجع أبو بكر إلى النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وقال : هل نزل فيّ شيء ؟ قال : ( لا ولكني أمرت أن أبلغها أنا ورجل من أهل بيتي ، ولا يؤدي عني إلاّ أنا أو عليّ ، عليّ مني وأنا من عليّ ) ( 1 ) .
وجاءت السنة العاشرة وفيها حجة الوداع فخطب ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) في عرفات وفي منى وفي مكة وفي كلها يذكر الناس بالتمسك بالثقلين .
وأخيراً لا آخراً كان يوم الغدير بعد رجوعه ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من حجة الوداع ، فقد أمر بالاجتماع وصعد منبراً من حدوج الإبل وأخذ بضبع ابن عمه - حتى بان بياض أبطيهما - فأقامه للناس إماماً وهادياً وعلماً وخليفة من بعده وقال : ( من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ) ( 2 ) .
فكلّ ما مرّ ويأتي من المواقف الّتي أوحت إلى فريق المعارضة بأنه سوف لن يحصلوا على شيء ما دام النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) مستمراً في التأكيد على ذلك المنهج الّذي يُوحى إليه به من السماء وهو التنويه بابن عمه خليفة من بعده * ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ
هامش
( 1 ) مصادر حديث تبليغ براءة فيما أحصاها بعض الباحثين بلغت 85 مصدراً من كتب التفسير والحديث والسيرة والتاريخ ولم يسلم هذا الحديث من جنايات الرواة ، ويكفي مراجعة صحيح البخاري 1 / 671 ط دهلي الهند إذ يجد من رواته أبا هريرة ، ودسّه أنفه في أمر التبليغ ، وهو لم يكن حينئذٍ في الحجاز بل كان في البحرين ؟ !
( 2 ) يكفي مراجعة كتاب الغدير للمرحوم الحجّة الأميني .