حبر الأمة في أيام عثمان :
لمّا كانت أيام عثمان تعدّ نقطة تحوّل في تاريخ المسلمين الذين عاشوا أيام عمر ولم ينسوا درّته الّتي يخفق بها الرؤوس ، ولا شدّته وصرامته الّتي حكمت الرأس والمرؤوس . فهم بعد على ذكر ذلك النمط الّذي ألفوه ، ولا أقل من أنهم تهضّموه فتألّفوه .
ولكنهم أضحوا في أيام عثمان على خلاف ذلك النمط ، لاختلاف المزاجَين بين الرجلين الحاكمَين وتفاوت السيرتين في الحكومتين ، كما سيتضح ذلك فيما يأتي من الفوارق بين النموذجَين .
إذن لابدّ لنا ونحن نتطلع إلى معرفة حياة حبر الأمة عبد الله بن عباس في أيام عثمان ، ودوره الفاعل فيما له دورٌ فيه ، من معالجته تلك الأزمات الّتي حاقت بالمسلمين ، من مسيرة متأنية مع تاريخ تلك الأحداث عند عرضها دون تشنّج أو تبرير . ودون برم أو سأم لو طال المشوار ، كما لابدّ لنا أيضاً من قراءة فاحصة للنصوص التاريخية الّتي تلقي أضواءً كاشفة على مواقف المسلمين - ومنهم ابن عباس - إزاء عثمان وممارساته أيام حكومته حين حاقت به فأردته في النهاية قتيلاً . وأورثت المسلمين حروباً طاحنة لم تخمد جذوتها أحياناً لا حيناً من الدهر ، وأصبح المثل لكل بلاء مستطيل وشرّ مستطير فيقولوا : ( قميص عثمان ) .