إلا ضِراراً ، ولم تستلج إلا عثاراً ، واعرف مَن هو بالشام له وَمَن ههنا حوله ومن يطيع أمره ويمتثل قوله ، ولا تغترر بناس يطيفون بك ، ويدّعون الحنوّ عليك والحبّ لك ، فإنهم بين مولى جاهل ، وصاحب متمنّ ، وجليس يرعى العين ويبتدر المحضر ، ولو ظن الناس بك ما تظن بنفسك لكان الأمر لك والزمام في يدك ، ولكن هذا حديث يوم مرض رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فات ، ثم حرم الكلام فيه حين مات ، فعليك الآن بالعزوف عن شيء عرضك له رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فلم يتم ، وتصدّيت له مرة بعد مرة فلم يستقم ، ومن ساور الدهر غلب ، ومن حرص على ممنوع تعب ، فعلى ذلك فقد أوصيت عبد الله بطاعتك ، وبعثته على متابعتك ، وأوجرته محبتك ، ووجدت عنده من ذلك ظني به لك ، لا توتر قوسك إلاّ بعد الثقة بها ، وإذا أعجبتك فانظر إلى سيتها ، ثم لا تفوّق إلاّ بعد العلم ، ولا تغرق في النزع إلاّ لتصيب ، وانظر لا تطرف يمينك عينَك ، ولا تجنِ شمالك شينك ، ودّعني بآيات من آخر سورة الكهف ( 1 ) وقم إذا بدا لك » ( 2 ) .
تعقيب ابن أبي الحديد على الوصية :
قال ابن أبي الحديد بعد ذكره الوصية المتقدمة : « قلت الناس يستحسنون رأي العباس لعليّ ( عليه السلام ) في أن لا يدخل في أصحاب الشورى ، وأمّا أنا فإني أستحسنه إن قصد به معنى ، ولا استحسنه إن قصد به معنى آخر ، وذلك لأنه إن
هامش
( 1 ) هي قوله تعالى : ( ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نُزُلا * خالدين فيها لا يبغون عنها حِولا * قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل ان تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا * قل إنما أنا بشر مثلكم يًوحى إليَّ أنّما إلهكم إلهٌ واحد فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربّه أحدا ) الكهف / 107 - 110 .
( 2 ) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 / 282 ط مصر الأولى .