على إطلاق قولهم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ) فإن هذا مروي عن النبي صلى الله
عليه وسلم وقد تلقته الأمة بالقبول فيصح أن يكون مؤيدا بل ربما يحتج به أيضا وإنما
صرح بالإطلاق دفعا لتوهم التقييد بأفعاله تعالى أو بما أوليس
من أفعال العباد الاختيارية كما
تأوله به المعتزلة هذا التوهم إنهم كانوا يوردون كلامهم في معرض تعظيم الله وإعلاء
شأنه ( والأول ) وهو ما شاء الله كان ( دليل الثاني ) وهو أنه تعالى غير مريد لما لا يكون
وذلك لأنه ينعكس بعكس النقيض إلى قولنا كل ما لم يكن لم يشأ الله ( والثاني ) أعني
ما يشأ لم يكن ( دليل الأول ) لانعكاسه بذلك الطريق إلى قولنا كل ما كان فقد شاء الله
( احتجوا ) أي المعتزلة على أنه تعالى لا يريد الكفر والمعاصي ( بوجوه ) عقلية * ( الأول
لو كان تعالى مريدا لكفر الكافر وقد أمره بالإيمان فالآمر بخلاف ما يريده يعد ) عند العقلاء
( سفيها ) فيلزم السفه في أحكام الله ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا قلنا لا نسلم أن الآمر
بخلاف ما يريده يعد سفيها وإنما يكون كذلك لو كان الغرض من الآمر منحصرا في إيقاع
المأمور به يوضحه وجوه ثلاثة * الأول أن الممتحن لعبده هل يطيعه أم لا قد يأمره
ولا يريد منه الفعل ) أما الأول وهو أن الصادر منه أمر حقيقة فلأنه إذا أتى العبد
بالفعل يقال امتثل أمر سيده ( و ) أما الثاني وهو أنه لا يريه الفعل منه ( يحصل مقصوده )
وهو الامتحان ( أطاع أو عصى ) فلا سفه في الأمر بما لا يريده الآمر ( الثاني أنه إذا عاتب
شرح
( قوله في معرض تعظيم الله تعالى ) لا يخفى أن هذا كلام خطابي إذ إيجاد الأجرام العظام من السماوات والأرضين
وما بينها من الذوات بل كان ما دخل تحت الإمكان غير الحركات الجزئية والأعراض البشرية المحسوسة أمر عظيم
فيه تعظيم وإعلاء شأن ( قوله وذلك ينعكس بعكس النقيض الخ ) فيه بحث لأن انعكاس الكلية كنفسها على
طريقة القدماء مردود عند المتأخرين وهذا الاستدلال مبنى عليه فإن قلت مردوديته باعتبار عدم كليته لا ينافي
الاستدلال به في المادة الجزئية قلت هذا حق في نفسه لكن ينافي ما ذكره في المقصد الرابع من المرصد الثالث في
أقسام العلم حيث رد قول المدعي فيه بعدم انعكاس الكلية كنفسها وقد أشير إلى هذا هناك أيضا ( قوله هل يطيعه
أم لا ) فيه إتيان المعادل بهل والنحاة يأبونه إلا أن يحمل أم على المنقطعة كما في قوله عليه السلام هل تزوجت بكرا أم
ثيبا والمقام لا يساعده كما لا يخفى اللهم أن تحمل على مذهب ابن مالك وإن كان مردودا كما حققناه في حواشي
المطول ( قوله فلأنه إذا أتى العبد بالفعل الخ ) فيه بحث لأنه إذا لم يكن طالبا لفعله حقيقة لم تكن الصيغة أمرا
إلا ظاهرا فيجوز أن يكون ذلك القول بالنظر إلى ظاهر الحال لعدم الاطلاع على سريرة المقال اللهم إلا أن يقال
المعلوم فيما نحن فيه أيضا تحقق صيغة الأمر بالنسبة إلى إيمان الكافر وأما تحقق حقيقته إذا اعتبر فيه الاقتضاء
حقيقة فقد لا نسلم فإن قلت إذا لم يتحقق حقيقة الأمر يلزم أن لا يؤاخذ أحد بترك الامتثال قلت لم لا يجوز أن تكون