الله وقوعه ويكره تركه وإن كان حراما فبعكسه والمندوب يريد وقوعه ولا يكره تركه
والمكروه عكسه وأما المباح وأفعال غير المكلف فلا يتعلق بها إرادة ولا كراهة ( لنا أما
أنه مريد للكائنات ) بأسرها ( فلأنه خالق الأشياء كلها لما مر ) من استناد جميع الحوادث
إلى قدرته تعالى ابتداء ( وخالق الشئ بلا إكراه مريدا له ) بالضرورة ( وأيضا ) قد ثبت
أن جميع الممكنات مقدورة لله تعالى فلا بد في اختصاص بعضها بالوقوع وبأوقاتها المخصوصة
من مخصص وهو الإرادة وهذا معنى قوله ( فالصفة المرجحة لأحد المقدورين هو الإرادة )
كما مر ( ولا بد منها ) أي من الصفة المرجحة في إيجاد بعض المقدورات دون بعض وفي
تخصيص الموجودات بأوقاتها ( وأما أنه غير مريد لما لا يكون فلأنه تعالى علم من الكافر )
مثلا ( أنه لا يؤمن فكان الإيمان منه محالا ) لامتناع أن ينقلب العلم جهلا ( والله تعالى عالم باستحالته
والعالم باستحالة الشئ لا يريده ) بالضرورة وأيضا لو أرده فأما أن يقع فيلزم الانقلاب أولا
فيلزم عجزه وقصوره عن تحقيق مراده ( ولأنه لا يتصور منه ) أي من العالم باستحالة الشئ
( صفة مرجحة لأحد طرفيه ) لأن أحدهما مستحيل والآخر واجب فلا معنى لترجيح
الصفة وفيه بحث لأن عدم إيمان الكافر مراد الله مع كونه واجبا وأيضا هو منقوض بما علم
الله وجوده كإيمان المؤمن فإن أحد طرفيه واجب والآخر ممتنع فلا وجه لترجيح الصفة
ويعضد ( هذا ) الذي هو مذهبنا ( إجماع السلف والخلف في جميع الأعصار والأمصار
شرح
الباري تعالى فالحق أن قياس الغائب على الشاهد فيما ذكر مما لا وجه له كيف وصبر الله تعالى وحلمه بحر لا نهاية له
فكيف يقاس في السعة والإحاطة على صبر عباده الذي هو بمنزلة القطرة منه نعم ما أراده الله تعالى إرادة تامة
لا يتخلف عنها وأما ما أراده أن يفعله العبد برغبته واختياره ابتلاء له ففي عدم جواز تخلفه بحث ظاهر ( قوله وخالق
الشئ بلا إكراه مريد له ) فيه بحث لأن الخلق المطلق لا يدل على الإرادة لاحتمال الايجاب والخلق بالقدرة يدل
لكن يؤول هذا الدليل حينئذ إلى الدليل الثاني وأيضا يكون قوله بلا إكراه مستدركا والجواب أن المراد الخلق
بالقدرة لكن نفي الاكراه بعد ثبوت القدرة يكفي في إثبات الإرادة ولا يلاحظ ههنا أن مخصص بعض
المقدورات بالوقوع هو الإرادة بخلاف الوجه الثاني فإن مثبت الإرادة فيه هو هذا ( قوله قد ثبت أن جميع
الممكنات مقدورة لله تعالى ) فائدة إلحاق هذا الكلام دفع ما يقال من أن الإرادة مرجحة في فعل المريد لا في فعل
الغير فعلى تقدير كون أفعال العباد مخلوقة لهم لا يحتاج إلى إرادته تعالى أعني التخصيص فيها ( قوله وفيه بحث لأن
عدم إيمان الكافر الخ ) فيه بحث لأن هذا إنما يرد على توجيه كلام المصنف في حمل أحد الطرفين فيه على الأحد الغير
المعين وأما لو حمل على أحدهما معينا أعني الطرف المستحيل فلا إذ عدم تصور الصفة المرجحة في الطرف الممتنع
ظاهر بخلافه في الطرف الواجب فإن الوجوب أثر العلم والعلم يتبع الوقوع والوقوع أثر الإرادة القديمة فليتأمل