بصدد بيان الأركان التي يطلب المكلف بالاتيان بها فتأمله والله أعلم . فإن قيل : الركن ما
كان داخل الماهية والاحرام ليس كذلك لأنه إنما ينعقد بالنية فالنية هي المميزة للحج من غيره
والمميز خارج عن حقيقة المميز فيكون شرطا . قيل : الجواب عنه من وجهين : الأول أن المراد
كونه ركنا أنه لا ينجبر بالدم لأنه جزء . هكذا ذكره القرافي في الكلام على الميقات الزماني ،
والثاني أنه وإن كان كذلك لكن لما أن كان تنشأ عنه صفة تلازم تلك الماهية وتقارن جميع
الأركان كلها صار كأنه جزء منها وداخل فيها والله أعلم . والأصل في وجوبه فعله ( ص )
وأمره - قاله ابن الحاج وغيره - ثم الاجماع المنعقد عليه والله أعلم ص : ( ووقته للحج شوال
لآخر ذي الحجة ) ش : الضمير عائد إلى الاحرام ، ولما كان الاحرام ركنا للحج والعمرة بدأ
بالكلام على وقت الاحرام بالحج لأنه هو المقصود ، ثم بعد ذلك ذكر وقت الاحرام بالعمرة .
واعلم أن للاحرام ميقاتين : أحدهما زماني والآخر مكاني ، ومراد المؤلف بيان الأول . فمعنى
كلامه أن الميقات الزماني للاحرام بالحج من أول شوال إلى آخر الحجة . والميقات إن كان
مأخوذا من الوقت الذي هو الزمان فإطلاقه على المكاني إنما هو بالحقيقة الشرعية لأنه قال في
الحديث وقت لأهل المدينة ذا الحليفة الحديث . وإن كانا مأخوذين من التوقيت والتأقيت
اللذين هما بمعنى التحديد فكل منهما حقيقة لغوية باقية على أصلها . وفي كلام المصنف
رحمه الله مسامحة لأن وقت الشئ ما يفعل فيه وليس ذو الحجة بكماله وقتا للاحرام بل
بعضه والذي ذكره المصنف إنما هي أشهر الحج ، وأما الميقات الزماني فهو كما قال ابن عرفة :
وميقاته الزماني في الحج ما قبل زمنه الوقوف من الشهر وهو شوال وتالياه وآخرها - روى ابن
حبيب - عشر ذي الحجة . ونقل اللخمي وأيام الرمي ، وذكر ابن شاس رواية أشهب باقيه
انتهى . لكن في عبارة ابن عرفة رحمه الله تعالى حذف وتقديره ما قبل آخر زمن الوقوف
الخ . ولعله يريد وقته المختص به دون الوقوف . ومثله قول اللخمي : للحج وقت يبتدأ فيه
عقده ومنتهى محل منه بينه . والأصل في ذلك قوله تعالى * ( الحج أشهر معلومات )
197 ] فأولها شوال ، واختلف عن مالك في آخرها فقال عشر من ذي الحجة ، وقال ذو الحجة
كله ، وقال شوال وذو القعدة إلى الزوال من تسع ذي الحجة محل لعقد الاحرام والطواف
والسعي لمن أتى من الحل ، فإذا زالت الشمس كانت وقتا للوقوف إلى طلوع الفجر من
العاشر ، فإذا طلع الفجر صار وقتا للوقوف بالمشعر ما لم تطلع الشمس ويستحب أن لا يؤخر
لبعد الاسفار ، وكذلك أيضا صار وقتا للرمي والنحر لمن تعجل من ضعفة النساء والصبيان . ثم
ذلك وقت للرمي والنحر والحلاق والطوال ما لم تغرب الشمس وهذا هو المستحب ، فإن أخر
مواهب الجليل — صفحة 21
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٢١