ما قصد به معرفة قبر وليه ؟ ولم يجزم ابن بشير بتحريم القسم الأول بل قال : الظاهر أنه يحرم
وذكر كلامه المتقدم إلى قوله لنفذ وصيته . ثم قال في التوضيح : وأجاز علماؤنا ركز حجر أو
خشبة عند رأس الميت ما لم يكن منقوشا لما روي أنه ( ص ) وضع بيده الكريمة حجرا عند رأس
عثمان بن مظعون وقال : أعلم به قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي . وكره ابن القاسم أن
يجعل على القبر بلاطة ويكتب فيها ، وأما تحويز موضع الدفن ببناء وذكر كلام ابن عبد السلام
المتقدم ثم قال : وفي التنبيهات اختلف في بناء البيوت عليها إذا كان بغير أرض محبسة وفي
المواضع المباحة في ملك الانسان فأباح ذلك ابن القصار وقال غيره : ظاهر المذهب خلافه
انتهى . وأما الموقوف كالقرافة التي بمصر فلا يجوز فيها البناء مطلقا ويجب على ولي الأمر أن
يأمر بهدمها حتى يصير طولها عرضا وسماؤها أرضا . وقال في المدخل في فصل زيارة القبور :
البناء في القبور غير منهي عنه إذا كان في ملك الانسان لنفسه ، وأما إذا كانت مرصدة فلا
يحل البناء فيها . ثم ذكر أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل القرافة بمصر لدفن
موتى المسلمين واستقر الامر على ذلك ، وأن البناء بها ممنوع ، وذكر عن بعض الثقات أنه أخبره
أن السلطان الظاهر أمر باستفتاء العلماء في زمنه في هدم ما بها من البناء ، فاتفقوا على لسان
واحد أنه يجب على ولي الأمر أن يهدم ذلك كله ويجب عليه أن يكلف أصحابه رمي ترابها
في الكيمان ، ولم يختلف في ذلك أحد منهم . ثم إن الملك الظاهر سافر إلى الشام فلم يرجع
انتهى . وقال ابن الفاكهاني في شرح الرسالة : أما تجصيص القبور فمتفق على كراهته إلا
ما روي عن أبي حنيفة انتهى . فتحصل من هذا أن تطيين القبر أي جعل الطين عليه والحجارة
مكروه ، وكذلك تبييضه وكذلك البناء عليه نفسه ، وكذلك التحويز حواليه ببيت ونحوه إذا لم
يقصد بذلك المباهاة ولا التمييز ، فإن قصد المباهاة بالبناء عليه أو حواليه أو تبييضه أو تطيينه
حرم ، فيكون الضمير في قوله بوهي به راجع إلى المذكور جميعه . قال ابن الفرات في شرحه :
ويحسن أن يعود الضمير في قوله وإن بوهي به على المذكور فيه أي وإن قصد المباهاة بالبناء
أو التحويز أو التبييض حرم لأن زينة الدنيا ارتفعت بالموت انتهى . ويؤيده أيضا كلام ابن عبد
السلام المتقدم أعني قوله : وربما كان ذلك حكم الحي فيما يحتاج إليه . وقوله وجاز للتمييز
أي وجاز التحويز للتمييز ويحتمل أي وجاز البناء على القبر والتحويز عليه للتمييز ، أما التحويز
للتمييز فقد اتفق عليه كلام اللخمي وابن بشير وابن عبد السلام وأما البناء على القبر نفسه
للتمييز فهو الذي اختاره ابن بشير . وظاهر كلام المصنف أن التحويز للتمييز يجوز مطلقا . سواء
كانت الأرض مملوكة أو مباحة أو مسبلة للدفن ، وهو الذي يفهم مما تقدم عن اللخمي وابن
بشير وابن عبد السلام ومما في نوازل ابن رشد عنه وعن القاضي عياض ونصه .
وكتب إليه القاضي عياض يسأله فيما ابتدع من بناء السقائف والقبب والروضات على
مقابر الموتى وخولفت فيه السنة ، فقام بعض من بيده أمر في هدمها وتغييرها وحط سقفها
مواهب الجليل — صفحة 61
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٦١