ولا يصح أن يكون العامل فيه فرض وسنة لأنه إنما يفيدان الفرض والسنة . وقع من الشارع
مرة ولا يفيد المعنى المراد لأن المفعول المطلق قيد في عامله ، ويجوز أن ينصب مرة على التمييز
المحول عن النائب عن الفاعل والمعنى : فرض المرة من الحج وسنة العمرة من العمرة . ويوجد في
بعض النسخ فرض الحج بفتح الفاء وسكون الراء على أنه مصدر مرفوع بالابتداء ، وبرفع سنة
بالعطف عليه وبجر الحج والعمرة بالإضافة ومرة مرفوع على أنه خبر وعليها شرح البساطي .
ويتعين حينئذ أن يكون المصدر بمعنى اسم المفعول أي المفروض من الحج مرة والمسنون من العمرة
مرة والله أعلم . وإنما أطلت الكلام هنا لأن هذه المسائل محتاج إليها ولم ينبه الشارح عليها .
ولنشرع : في الكلام على اشتقاق الحج والعمرة ومعناهما لغة وشرعا وما يتعلق بذلك
فنقول : الحج في اللغة القصد . وقيل : القصد المتكرر . قال ابن عبد السلام : الحج في اللغة
القصد . وقيل : بقيد التكرار انتهى . وكذا قال في التنبيهات : أصل الحج القصد وسميت هذه
العبادة حجا لما كانت قصد موضع مخصوص . وقيل : الحج مأخوذ من التكرار والعود مرة بعد
أخرى لتكرار الناس عليه كما قال الله تعالى * ( مثابة للناس ) * أي يرجعون إليه
ويثوبون في كل عام انتهى . وعلى الثاني اقتصر صاحب المقدمات وصاحب الطراز ونقله
القرافي عن الخليل وهو ظاهر الصحاح لقوله : الحج القصد ورجل محجوج أي مقصود ، وقد
حج بنو فلان فلانا إذا أطالوا الاختلاف إليه انتهى . والظاهر أنه مستعمل في اللغة بالوجهين
لقول صاحب القاموس : الحج القصد والكف والقدوم وكثرة الاختلاف والتردد وقصد مكة
للنسك . ويشهد لذلك حديث مسلم المتقدم إن الله فرض عليكم الحج فحجوا وقول الرجل :
أكل عام يا رسول الله الحديث ، لأنه يحتمل أن يكون سؤاله لهذا المعنى . ويحتمل أن يكون
لمعنى آخر وهو أن العلماء اختلفوا في الامر المطلق . هل يقتضي التكرار أو لا يقتضيه ؟ أو يتوقف
فيما زاد على مرة على البيان فلا يحكم باقتضائه ؟ قال ابن القصار : وهو عند مالك مقتض
للتكرار ، وخالفه بعض أصحابنا . فيحتمل أن يكون السائل يرى بعض هذه المذاهب والله أعلم .
واختلف في إطلاق الحج على العبادة المشروعة فقيل : حقيقة لغوية وأن الحج مستعمل في معناه
اللغوي الذي هو القصد أو القصد المتكرر غير أن الشارع اعتبر مع ذلك أمورا لا بد منها ، وهذا
مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني . وقيل : إنه حقيقة شرعية نقلها الشارع من المعنى اللغوي إلى
المعنى الشرعي من غير ملاحظة للمعنى اللغوي وإن صادف أن بين المعنيين علاقة لأمر اتفاقي
وهذا مذهب المعتزلة . وقال به جماعة من الفقهاء . وقيل : إنه نقل إلى المعنى الشرعي على سبيل
المجاز لمناسبته للمعنى اللغوي وهذا مذهب الامام فخر الدين والمازري وجماعة من الفقهاء . قال
ابن ناجي : وهو مذهب المحققين من المتأخرين . وهذه الثلاث الأقوال جارية في الحقائق الشرعية
كالصلاة والصوم والزكاة وغيرها ، وكلام صاحب القاموس المتقدم يشهد للأول لأنه جعل
قصد مكة للنسك من جملة معاني الحج في اللغة . وعلى القول الثالث ، فوجه المناسبة بين
مواهب الجليل — صفحة 418
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٤١٨