تنبيهات : الأول : قوله : وإن لم يظن شامل لما إذا شك في الدوام أو رجا الانقطاع كما
صرح به ابن هارون ونقله صاحب الجمع ، ومن باب أخرى إذا رجا انقطاعه بالفتل والله أعلم .
الثاني : ظاهر كلام المصنف أنه الفتل إنما يؤمر به فيما إذا كان يرشح فقط ، أما إذا سال
أو قطر فلا ، ولو كان الدم الذي يسيل ثخينا يذهبه الفتل وكأنه اعتمد كلام اللخمي فإنه قال :
الرعاف أربعة أقسام : يسير يذهبه الفتل ، وكثير لا يذهبه الفتل ولا يرجى انقطاعه متى خرج
لغسله لعادة علمها من نفسه ، فهذان لا يخرجان من الصلاة ، يفتل هذا ويكف الآخر ما
استطاع ويمضي في صلاته . وكثير يرجو انقطاعه متى غسله فهذا يخرج لغسله ويعود ، وكثير
يذهبه الفتل لثخانته واختلف فيه ، هل يفتله ويمضي أو يخرج بغسله ؟ فقال ابن حبيب : رأيت
ابن الماجشون يصيبه الرعاف في الصلاة فيمسحه بأصابعه حتى تختضب فيغمس أصابعه في
حصباء المسجد ويردها ثم يمضي في صلاته . وقال مالك في المبسوط : إذا خرج من أنف
المصلي دم يفتله فإن كان يسيرا فلا بأس به ، وإن كان كثيرا فلا أحب ذلك حتى يغسل أثر
الدم انتهى . وفي المدونة : وينصرف من الرعاف في الصلاة إذا سال أو قطر ، قل ذلك أو كثر ،
فليغسله ثم يبني على صلاته . وإن كدن غير سائل ولا قاطر فليفتله بأصابعه انتهى . وحمل
صاحب الطراز كلام المدونة وكلام ابن حبيب على الوفاق ، وإن معنى قوله في المدونة :
ينصرف إذا سال أو قطر وإن قل أنه ليس عليه أن يستبرئ أمره هل يذهبه الفتل أم لا ؟ بل
متى سال أو قطر جاز له أن ينصرف لأن القدر المؤذن بذلك قد وجد وهو الدم السائل ، فإن
لم ينصرف وتربص وانقطع بالفتل فلا تفسد صلاته . ثم ذكر كلام ابن حبيب الذي ذكره
اللخمي وهذا هو الظاهر ، فكل ما يذهبه الفتل فلا يقطع لأجله الصلاة كما نقل صاحب
الجمع عن ابن هارون في بيان اليسير . وقال في المقدمات : لا يخلو إما أن يكون يسيرا يذهبه
الفتل أو لا ، والثاني أن يكون كثيرا قاطرا أو سائلا لا يذهبه الفتل انتهى .
الثالث : قال ابن غازي : جعله المصنف هنا الدرهم من حيز اليسير ، وجعله في المعفوات
من حيز الكثير حيث قال : ودون درهم من دم مطلقا ، فجمع بين القولين ، قال في التوضيح :
فإن زاد إلى الوسطى قطع ، هكذا حكى الباجي . وحكى ابن راشد أن الكثير هو الذي يزيد إلى
الأنامل الوسطى بقدر الدرهم في قول ابن حبيب ، وأكثر منه في رواية ابن زياد . وفهم ابن
عرفة قول ابن رشد على التفسير للمذهب فقال : وأنامل غيرها كدم غيره ، ويؤيده أن ابن يونس
فسر به رواية المجموعة السابقة ونحوها لعبد الحق في النكت ولغير واحد انتهى .
قلت : فقول الباجي : إن زاد إلى الوسطى قطع يعني إذا بلغ الذي في الوسطى قدر
الدرهم في قول ابن حبيب ، أو زاد عليه في رواية ابن زياد . ويمكن أن يقال : إنما جعل المصنف
هنا الدرهم من حيز اليسير ، لأن باب الرعاف باب ضرورة فسومح فيه والله تعالى أعلم . وقوله :
مواهب الجليل — صفحة 147
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص١٤٧