النحل . ويحتمل أن يرجع لجميع ما تقدم من قوله : والحي إلى آخره إذ قال ابن رشد في
سماع عيسى من كتاب الضحايا لا اختلاف في المذهب أن أكل لحوم الماشية والطير الذي
يتغذى بالنجاسة حلال جائز ، وإنما اختلفوا في الأعراق والألبان والأبوال انتهى . وقال ابن
القاسم في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الصيد والذبائح في الطير تصاد بالخمر
تشربه فتسكر لا بأس بأكلها وقبله ابن رشد . وقال ابن القاسم في الرسم المتقدم في كتاب
الضحايا : في جدي رضع خنزيرة أحب إلي أن يذبح حتى يذهب ما في جوفه من غذائه ، ولو
ذبح مكانه فأكل لم أر به بأسا لان الطير تأكل الجيف وتذبح مكانها وأكلها حلال . ونحوه
لابن نافع لكن حكى اللخمي الخلاف في ذلك ونصه : واختلف في الحيوان يصيب النجاسة
هل تنقله عن حكمه قبل أن يصيب تلك النجاسة ؟ فقيل : هو على حكمه في الأصل في
أسآرها وأعراقها وألبانها وأبوالها . وقيل : ينقلها وجميع ذلك نجس . ثم ذكر الخلاف في عرق
السكران ثم قال : وعلى القول بأنه نجس لا يحل أكل شئ من ذلك حتى تذهب منفعة ما
تغذى به من النجاسة . وخرج على نجاسة لبن الميتة نجاسة لبن الشاة تشرب ماء نجسا ، وبحث
معه ابن عرفة في هذا التخريج ، فكلام اللخمي يقتضي وجود الخلاف في نجاسة الحي إذا أكل
النجاسة . فإن قيل : إنما ذكر اللخمي الخلاف في اللحوم ، وإذا جعلتم قوله : لو أكل نجسا
راجعا إلى الحي وما عطف عليه اقتضى وجود الخلاف في الحي نفسه ، فالجواب الذي يظهر من
هذا القول الذي يقول بنجاسة اللحم أن الحي نفسه نجس ، وسيأتي أن الشارب للخمر لا تصح
صلاته على ما رواه ابن المواز مدة ما يرى بقاؤه في بطنه . وأما العرق والبيض وكذا اللبن
فالخلاف فيها معروف بالطهارة والنجاسة والكراهة حتى من الآدمي وشارب الخمر . قال في
التوضيح : والذي اختاره المحققون الطهارة . قال : والخلاف في عرق السكران في حال سكره أو
قريبا من صحوه ، وأما لو طال عهده فلا خلاف في طهارته . واعترضه ابن فرحون بأنه إذا عرق
وتخلل العرق الأول النجس إلا أن يكون قد اغتسل وغسل الثوب الذي عرق فيه .
قلت : وهذا لا يرد على المصنف لأنه إنما تكلم على العرق من حيث هو ونجاسته في
الصورة المذكورة لأمر عارض ، وأما اللعاب والمخاط والدمع فلم أر من حكى فيها خلافا صريحا
بل قال البساطي : وأما العرق من الحي فنقل فيه الاتفاق أعني أنه لا يراعى فيه سكران من
غيره ، غير أن ابن رشد قال : وأما الحيوانات فما دامت مستصحبة للحياة فهي طاهرة ويعني
بذلك أعراقها وأسآرها وما يخرج من أنوفها ، إذا لم تستعمل نجاسة ، فيفهم من كلامه أنها إذا
استعملت النجاسة نجس ما يخرج من أنوفها فأحرى لعابها . ونقل صاحب الجمع عن ابن
هارون أنه قال في شرح قول ابن الحاجب : واللعاب والمخاط من الحي طاهر كان ينبغي له أن
يقول ما لم يكن الحيوان مما يستعمل النجاسة انتهى . فهذا مقتضى الخلاف في ذلك من الحيوان
المستعمل للنجاسة ، وقد يقال : إن الدمع أيضا قريب من ذلك إلا أن كلام البساطي يعارض ذلك .
مواهب الجليل — صفحة 130
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص١٣٠