ندب نزح يعني به أن النزح مع القيود المذكورة مستحب وهذا هو المشهور . وقيل : يجب
النزح ، وقيل : يجب فيما لا مادة له ، وقيل : يجب في القليل دون الكثير ، حكى هذه الأقوال
أبو الحسن الصغير .
تنبيه : وعلى المشهور فهو مكروه مع وجود غيره لي المشهور قاله سند وغيره فيعيد
من صلى في الوقت . ويستحب غسل الثياب التي أصابها إذا لم تكن مما يفسدها الغسل قاله
في رسم شك من سماع ابن القاسم . وفي المدونة قال علي عن مالك : من توضأ بماء وقعت
فيه ميتة فتغير لونه أو طعمه وصلى أعاد أبدا ، فإن لم يتغير أعاد في الوقت . وقال في رسم
الوضوء والجهاد من سماع أشهب : ويطرح ما عجن به أو حل فيه على سبيل التوقي
للمتشابه انتهى . وعلل القول بالوجوب فيعيد من صلى به أبدا ويحرم أكل ما عجن به أو
طبخ واقتصار الشارح في الكبير على هذا يوهم أنه الجاري على المشهور وليس كذلك والله
أعلم .
والحكمة في النزح : أن الله أجرى العادة أن الحيوان عند خروج روحه تفتح مسامه
وتسيل رطوباته ويفتح فاه طلبا للنجاة فيدخل الماء ويخرج برطوبات وذلك مما تعافه النفوس ،
فأمر بالنزح لذلك ولهذا قال بعضهم : إذا نزح ينقص الدلو شيئا يسيرا لأنه إذا ملئ تطفو
الدهنية وترجع إلى الماء فلا يكون للنزح معنى .
فرع : يكفي النزح قبل إخراج الميتة كما ذكر البرزلي عن أبي حفص العطار في بئر
بجوار أفران استقوا منها كثيرا لعجنهم ، ثم استقى شخص آخر وعجن ، ثم طلع له فأر ميتة
فقال : لا شئ على هذا الأخير لان الذين قبله قد نزحوه وطيبوه . وقوله : بقدرهما يعني أن
الماء الذي ينزح ليس له حد محدود عند مالك بل يختلف ذلك بقدر الماء والميتة ولذلك ثني
الضمير ، وكذلك أيضا يختلف النزح باختلاف طول إقامة الحيوان في الماء وقلة ذلك ، وكان
ينبغي للمصنف أن ينبه على ذلك . قال ابن الإمام في شرح ابن الحاجب : وليس لمقدار ما
ينزح حد لاختلافه باختلاف ما مات من صغير وطول إقامة وقل الماء ومقابلها ، وكذلك لم
يحده مالك ولا أحد من أصحابه غير أنه كما قال القاضي : كلما كثر النزح كان أحب
إليهم وأولى وأبلغ وأحوط . قال ابن بشير : وما وقع في بعض الروايات من تحديد المراق
بأربعين لا أصل له وإنما ذلك لئلا يكثر العامي الموسوس أو يقلل المتساهل ، ولهذا روي عن
ابن الماجشون أنه استفتاه قوم في مثل هذا فقال : انزعوا منها أربعين خمسين ستين دلوا ثم
قال : إنما قلت لهم ليعملوا أنه أقل ما يجزيهم والأكثر أحب إلي ، ولو قلت لهم خمسين
لأبطلت تسعة وأربعين وهي مثلها ومنعتهم عن ستين وهي أبلغ . وقوله : لا إن وقع ميتا أي
مواهب الجليل — صفحة 117
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص١١٧