فالمرجع فيه هو المنع بخلاف ما إذا حصل الشك في حكم سائر الأشياء فإن المرجع فيها هي البراءة ومن هنا ينقدح كون الأصل مقتضيا للاشتراط عند فقد الإطلاق إذا شككنا في شرطية شيء لكون الشيء طريقا بخلاف ما إذا شككنا في شرطيته في غير الطرق وبالجملة الأصل في الطرق الجعلية غير الأصل في سائر الأشياء لا يقال الاحتياط في هذه المسألة ربما يعارض بالاحتياط في المسألة الفرعية كما إذا كان قول الميت موافقا للاحتياط لأنا نقول إن الاحتياط في المسألة الأصولية مقدم على الاحتياط في المسألة الفرعية بقاعدة المزيل والمزال كما يظهر بالتأمل ورابعا بأن الذمة مشغولة بالعبادة كالصلاة مثلا ولا يتفق الخروج عن عهدتها إلا بتقليد الحي لأن تقليد الميت معركة للآراء فقاعدة الشغل واستصحابه يقتضيان المنع من تقليد الميت هذا في العبادات وأما في المعاملات فأصالة عدم ترتب الأثر محكمة ويمكن تقرير أصول أخر يظهر بالتأمل ولا وارد على هذه الأصول من الأدلة سوى الاستصحاب وظاهر الأخبار والآيات التي قد يتمسك بها في إثبات جواز التقليد وستعرف إن شاء الله فساد الاستدلال بها وبقاعدة الانسداد التي تمسك بها الفاضل القمي ومنها أن المفتي إذا مات سقط قوله عن درجة الاعتبار ولا يعتد بقوله أصلا ومن هذا شأنه لا يجوز الاستناد إليه شرعا بيان الملازمة أن مخالفة الحي لسائر أهل عصره يمنع عن انعقاد الإجماع على خلافه إجماعا بخلاف مخالفة الميت فإنها غير قادحة في انعقاده فلو كان قوله نحو قول الحي معتبرا شرعا لكان مخالفته قادحة أيضا كمخالفة الحي وهذه الحجة ذكرها المحقق الشيخ علي في حاشية الشرائع ثم اعترض على نفسه بما يرجع إلى منع الملازمة الثانية وحاصله أن انعقاد الإجماع على خلافه بموته ليس لأجل سقوط اعتبار قوله بموته بل لحصول العلم حينئذ بدخول المعصوم عليه السلام في الباقين الذي هو الباعث على حجية الإجماع عندنا فلا دلالة في انعقاد الإجماع على خلافه بموته على أن الموت يوجب عدم اعتبار قوله بعد أن كان معتبرا في حال الحياة ثم أجاب عنه بما أجاد وحاصله أن موت الفقيه حينئذ يكشف عن خطأ قوله في حال الحياة فلا يجوز العمل به وخلاصة الفرق بين هذا الجواب وبين الاستدلال أن مقتضى الاستدلال كون الموت مسقطا لاعتبار القول بعد أن كان معتبرا وقضية الجواب كونه كاشفا عن خطأ القول رأسا باعتبار حصول العلم بكون قوله خلاف قول المعصوم فالتفت ولا تغفل وربما يتوهم اختصاص هذا الدليل بما إذا كان قول الميت مخالفا لإجماع علماء العصر فلا يقتضي عدم جواز التقليد فيما إذا لم يكن كذلك كما إذا كانوا مختلفين وكان قول بعضهم موافقا لقول الميت وليس كذلك وإن كان بناء الاستدلال على فرض الكلام فيما إذا كان رأي المجتهد مخالفا لآراء سائر أهل العصر فمات فإن ممانعة قوله حال الحياة في هذا الفرض عن انعقاد الإجماع على خلافه وعدم المسابقة بعد الموت دليل واضح على كون الموت موجبا لسقوط اعتبار القول بعد أن كان معتبرا فالدليل وإن كان من مقدماته فرض مخالفة قوله لسائر أهل العصر إلا أن النتيجة الحاصلة منها سقوط اعتبار القول بالموت مطلقا كما يظهر بالتأمل هذا ولك أن تقرر الدليل على وجه آخر وهو أن قول الميت إذا وافق قول أحد الأحياء فالعمل بقوله ليس تقليدا للميت بل تقليد للحي بناء على عدم اعتبار تعيين المفتي في التقليد الذي هو شرط لصحة العمل كما لعله الأقوى وإن لم يوافق قول أحدهم كان مخالفا لأقوال أهل العصر ومعلوم البطلان بالإجماع بناء على حجيته من باب اللطف فالتقليد للميت دون الحي لا ينفك عن مخالفة الإجماع قطعا فتأمل ثم إن صاحب الوافية بعد أن نقل هذا الدليل قال وضعف هذا الوجه ظاهر لأنه بعد عدم حجيته على أصولنا ينتقض بمعروف النسب مع أنهم اعتبروا بشهادة الميت في الجرح والتعديل وهو يستلزم الاعتداد بقوله في عدد الكبائر فتأمل انتهى وتبعه في النقض بمعروف النسب غير واحد ممن تأخر عنه وصورته واضحة وهي أن انعقاد الإجماع على الخلاف مشترك الورود بين الحي والميت بناء على ما هو التحقيق عند الإمامية في الإجماع من كون حجيته من باب الكشف عن قول المعصوم أو زائد لعدم منافاته لمخالفة الحي المعلوم النسب أيضا والظاهر أنه بعد التأمل في جواب الشيخ علي ره عن الاعتراض الذي أورده على نفسه يظهر جواب هذا النقض أيضا فإن كون مخالفة معلوم النسب غير قادحة في انعقاد
الإجماع لا ينافي كون الموت كاشفا عن خطأ قوله وهو الباعث لعدم الاعتداد بقوله توضيح المرام أنك عرفت أن الاستدلال بالدليل المزبور يتصور على وجهين أحدهما أن يقال إن المجتهد ما دام كونه حيا يعتبر قوله وإذا مات سقط اعتبار قوله بنفس الموت وذلك لأن المجتهد المخالف لأهل عصره في الرأي ما لم يمت يمنع مخالفته عن انعقاد الإجماع على خلافه وإذا مات فبموته يتحقق الإجماع على خلافه وهذا يدل على اعتبار قوله في حال الحياة وعدم اعتباره في حال الممات إذ لو كان معتبرا أيضا مثل اعتباره قبل الموت لكان مانعا عن انعقاد الإجماع على خلافه وحيث لا يمنع علم أن قوله ميّت مثله لا اعتداد بشأنه فإن قرر الاستدلال كذلك فهذا مبني على كون الإجماع اتفاق الكل بحيث يقدح في ثبوته مخالفة بعض آحاد الأمة سواء كان معلوم النسب أو مجهوله كما عليه العامة وحينئذ فالجواب عنه بأن هذا الدليل لا يلائم مذهبا في الإجماع من عدم قدح خلاف مجهول النسب حيا كان أو ميتا جيّد إلَّا أنه ليس من النقض في شيء بل هو منع لمبنى الاستدلال أعني قدح خلاف الحي في انعقاد الإجماع فتضعيف صاحب الوافية له أولا بعدم حجيته على أصولنا وثانيا بالنقض ضعيف خارج عن رسم الإيراد وراجع إلى إيراد واحد ثم إن هذا الجواب إنما يناسب إذا كان المحجوج عليه بهذه الحجة الخاصّة والمستدل إنما احتج بها على العامة القائلين بحجية الإجماع من حقه اتفاق الأمة
مطارح الأنظار — صفحة 282
مساهمون: الشيخ الأنصاري
ص٢٨٢