كلام الشهيد الثاني المؤيد بنقل عدم الخلاف عند أصحابنا كما يظهر من السيد في الذريعة والبهائي حيث قال وتقليد الأفضل معين عندنا وفي المعالم وهو قول الأصحاب الذين وصل إلينا كلامهم المعاضدة بالشهرة المحققة بين الأصحاب وهو الحجة في مثل المقام الملحق بالفرعيات بل ولا يجوز الاجتراء في الإفتاء في مثل هذه المسألة التي بمنزلة الإفتاء في جميع الفقه بخلاف المنقول من الأصحاب كيف ولا نرى منهم الاختلاف مع وجود ذلك فيما هو أهون من المقام كما لا يخفى على من تتبع فتاويهم ولا وجه للوسوسة بعدم حجية الإجماع المنقول في المقام كما عرفت والتعليل الفاسد في كلام المجمعين ليس بضائر بعد الاتفاق الكاشف مع ما تعرف من صحة التعليل أيضا الثاني الأخبار الدالة على ترجيح الأعلم على غيره منها مقبولة عمر بن حنظلة حيث قال فيها الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما حكم به الآخر ومنها رواية الصدوق عن داود بن الحصين عن الصادق عليه السلام في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما خلاف واختلف العدلان بينهما عن قول أيّهما يمضي الحكم قال عليه السلام ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا ومنها قول أمير المؤمنين عليه السلام المنقول في نهج البلاغة اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك والتقريب في الكل ظاهر فإن الإمام قدم قول الأفقه والأعلم على غيره عند العلم بالمعارضة والمخالفة وهو المطلوب لا يقال إن ظاهر المقبولة هو اختصاصها بالقضاء كما هو المصرّح به في صدرها حيث سأل الراوي عن رجلين بينهما منازعة في دين أو ميراث فلا يستقيم الاستدلال بهما في الفتوى لأنا نقول أولا يعلم المطلوب بالإجماع المركب إذ لا قائل بالفصل بين وجوب قضاء الأعلم وتقليده وإن احتمل عدم تحققه في العكس وتوهم اختصاص الرواية بظاهرها بصورة تقارن الحكمين ولم يثبت الإجماع حينئذ مدفوع بأن ذلك يوجب حمل الرواية على النادر إذ التقارن قلَّما يتفق مع إمكان دعوى الإطلاق أيضا وثانيا أن ظاهر المقبولة صدرا وذيلا فيما إذا كان الاشتباه في الحكم الشرعي الذي مرجعه إلى الاختلاف في الفتوى دون الأمور الخارجية التي لا يكون رفع الاشتباه فيها بالرجوع إلى الأحاديث فيكون الرواية دليلا على الترجيح بالأعلمية عند اختلاف أرباب الفتوى ويرشد إلى ذلك أن رفع الاشتباه في غيرها إنما هو بالأمارات المفيدة للأمور الخارجة كالأيمان والبينات ونحوها بخلاف الاشتباه في الحكم الشرعي فإن مرجع الاشتباه فيها بالرجوع إلى الأدلة الشرعية التي منها الأحاديث الواردة بينهم وتوضيح ذلك أيضا أن المرجحات المذكورة بعد ذلك أيضا من مرجحات الاستنباط للحكم الشرعي مثل موافقة الكتاب ومخالفة العامة ونحوها ويؤيده أن النزاع في الأمور الخارجية لا وجه له لاختلاف الحكمين فيه إذ لا يجوز نقض حكم الحاكم الأول للثاني فلا يعقل الاختلاف بينهما فإن قلت لا وجه لحمل الرواية على التقليد أيضا فإن إعمال هذه المرجحات ليس من مثال المقلد أيضا ضرورة أن اللازم في حق المقلد هو الأخذ بالفتوى من دون مراجعة إلى دليل الواقعة حتى يحتاج إلى إعمال المرجحات قلنا ذلك مبني على اختلاف حال المقلدين الموجودين في ذلك الزمان والموجودين في زماننا إذ يمكن أن يكون المقلدون في ذلك الزمان من أرباب الاجتهاد ولا ينافي ذلك تقليدهم لحصول الاطمئنان لهم بأن المذكور في مقام الفتوى هو مضمون الرواية المسموعة عن الإمام ألا ترى أمر الصادق عليه السلام بعبد اللَّه بن أبي يعفور مع كونه مع أصحاب الرواية بالرجوع إلى الثقفي فالظاهر أنهم كانوا يعتمدون بما عندهم من الروايات وإذا احتاجوا في واقعة إلى حكم كانوا يسألون بعضهم بعضا فيعتمدون على جوابه وإن لم يكن لفظ الرواية تنزيلا لفتواهم منزلة رواياتهم مثل المقلدين في زماننا وأما اجتماع الأوصاف المذكورة في الرواية فالظاهر من مساقها اكتفاء بعضها أيضا مضافا إلى انعقاد الإجماع على خلافه ولا يوجب نقضا في الاستدلال كما أن مخالفة ترتيب المرجحات أيضا للعمل لا يضر ما نحن بصدده فلا وجه للمناقشة في دلالة المقبولة كما لا وجه للمناقشة في سندها فإنها مقبولة معمول بها مثل المناقشة في الرواية الثانية نعم لو كان ولا بد من المناقشة فليناقش في الرواية المنقولة في نهج البلاغة فإن الظاهر من مساقها الاستحباب الثالث أن فتوى الأعلم أقرب من غيرها فيجب الأخذ بها عند التعارض لأن الأخذ بالأقرب لازم عند التعارض أما الأول فظاهر وأما الثاني فلقضاء صريح العقل به واعترض عليه
تارة في الصغرى وأخرى في الكبرى أما الأول فبأن الأقربية على وجه الإطلاق مما لا وجه لها إذ ربما يكون فتوى غيره أقرب بواسطة اعتضادها بالأمور الخارجية كموافقتها المشهور أو لفتوى أعلم الأموات أو غير ذلك فإذا فرض اطلاع المقلد على هذه المرجحات يكون فتوى غير الأعلم أقرب وأما الثاني فبأنه لا دليل على اعتبار الأقربية في الأمارات التعبدية التي منها قول المفتي في حق المستفتي نعم لو كان اعتباره من باب الظن كان ذلك وجها ولكنه قد اعترفت مرارا بفساد هذه الدعوى ويمكن الجواب أما عن الأول فبأن الأقربية تارة تكون بواسطة المرجحات الداخلية في ذات الأمارة نظير قوة الدلالة في تعارض الأخبار وقوة السند فيها وتارة تكون بواسطة أمور خارجية عن ذات الأمارة مثل موافقة المشهور وأمثاله مما لا ربط له بنفس الأمارة وإن كان يوجب أقربية مضمونها إلى الواقع والفرق بينهما ظاهر مذكور في محله في باب التعارض لا كلام في اعتبار المرجح الداخلي في حق المجتهد وأما المرجحات الخارجية فقد تحقق في محلها أنها معتبرة في حق المجتهد أيضا وأما المقلد فالإجماع بل الضرورة قضت على عدم اعتبار المرجح الخارجي في حقه والسر فيه ظاهر حيث إنه لو قلنا
مطارح الأنظار — صفحة 276
مساهمون: الشيخ الأنصاري
ص٢٧٦