أكل الثمن فيما إذا كان عن الكلب والخنزير مثلا والفرق بين هذا القسم وسابقه ظاهر فإن المبغوض في الأول هو ملكية المسلم للكافر والمبغوض في هذا القسم هو حرمة التصرف في الثمن والمبيع ونحو ذلك مما هو من الآثار المترتبة على الملك على وجه لو حصل الملك لا وجه للمبغوضية فيدل ذلك النهي بالالتزام على عدم حصول الملك بهذه المعاملة وهو عين الفساد ورابعها أن يكون النهي ناظرا إلى إطلاق دليل الصحة فيكون لا محالة مقيدا لإطلاقه ويكون مفاده التصريح بالدلالة على الفساد فكأنه بمنزلة الاستثناء لقوله أوفوا بالعقود مثلا الدال على حصول الملك والنقل والانتقال بإحراز العقد وإتمام طرفيه وهذا القسم نظير النهي المسوق لبيان المانع في العبادة فلا إشكال في عدم دلالة القسم الأول على الفساد لعدم ما يقضي به عقلا ولا لفظا ويحتمل دلالة الثاني على الفساد وعدمه كما عرفت بناء على القولين على تأمل أيضا وأما الثالث والرابع فلا يبقى الإشكال في الدلالة على الفساد لا ما يتعلق بهذه الموارد على تقدير العلم بها وتميزها عن غيرها وأما عند الاشتباه فهل يحكم بعدم الدلالة حملا للنهي على ظاهره من تعلقه بعنوان فعل المكلف وإن كان ذلك معاملة أو بالدلالة حملا له على أحد الوجوه الباقية الدالة فنقول أن قضية القواعد اللغوية من إعمال أصالة الحقيقة هو المعنى الأول فيحكم بالحرمة دون الفساد ثم إذا قامت قرينة على عدمه فالمصير إلى الثاني أقرب فإن استعمال النهي في الطلب الغيري لا يوجب تجوزا وإن كان الظاهر هو النهي النفسي كما قرر في محله ومنه يظهر أن الثالث أيضا في هذه المرتبة لاشتراكهما في استعمال النهي في معناه التحريمي غاية الأمر أن الباعث على ذلك التحريم في الأول حصول الملك المبغوض وفي الثاني الآثار المترتبة على الملك كما عرفت لكن ذلك مع قطع النظر عما يقتضيه استقراء موارد النهي في المعاملات فإن الغالب في النهي المتعلق بالمعاملة من حيث إنها معاملة لا من حيث إنه فعل من الأفعال هو المعنى الثالث والأخير وتشخيص الموارد حق التشخيص موكول إلى ملاحظة الأطراف والجوانب ولا بد من تنزيل الإجماع المدعى في كلامهم على دلالة النهي على الفساد في المعاملات على ما ذكرنا فإن
دعوى عمومه حتى في الموارد التي يتعلق النهي بالمعاملة لا من حيث إنها معاملة مجازفة صرفة ثم إنه قد يكون هنا معاملة مشتملة على جهتين إحداهما الحرمة الذاتية مثل سائر الأفعال المحرمة والأخرى عدم وقوع مضمونها وعدم ترتب آثارها فإيجادها محرّم والأخذ بآثارها محرم آخر إلا أنه لا بد من استفادة هذين النحوين من دليلين لا من دليل من غير فرق في ذلك بين أن الدال على التحريم هو صيغة النهي أو أحد الألفاظ المساوية له في إفادة المعنى المذكور كما في قوله حرمت عليكم أمهاتكم خلافا لبعض الأجلة حيث خص الحكم بصيغة النهي زعما منه أنه صريح في الدلالة على الفساد وإن فرض الكلام فيما إذا استند التحريم إلى العقد كأن يقال يحرم عقد كذا فتوجه النزاع المعروف إليه غير مسلم وأنت خبير بضعفه فلا حاجة إلى تطويل الكلام فيه ثم إنه قد يدل على المطلوب في المقام أخبار لا بأس بالإشارة إليها وبيان دلالتها والتعرض لما قد يورد عليها فمنها ما رواه الكليني في الصحيح في وجه والصدوق في الموثق بابن بكير عن زرارة عن الباقر عليه السلام سأله عن مملوك تزوّج بغير إذن سيّده فقال ذلك إلى سيّده إن شاء أجازه وإن شاء فرق بينهما قلت أصلحك اللَّه تعالى إن حكم بن عتبة وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون إن أصل النكاح فاسد ولا يحل إجازة السيّد له فقال أبو جعفر عليه السلام إنه لم يعص اللَّه إنما عصى سيّده فإذا أجاز فهو له جائز ومنها ما رواه الكليني بطريق فيه موسى بن بكير والصدوق عنه عن زرارة مرسلا عنه عليه السلام سأله عن الرجل متزوج عبده بغير إذنه فدخل بها ثم اطلع على ذلك مولاه فقال ذلك إلى مولاه إن شاء فرق بينهما وإن شاء أجاز فإن فرق بينهما فللمرأة ما أصدقها إلا أن يكون اعتدى فأصدقها صداقا كثيرا وإن أجاز نكاحه فهما على نكاحهما فقلت لأبي جعفر عليه السلام فإنه في أصل النكاح كان عاصيا فقال أبو جعفر عليه السلام إنما أتى شيئا حلالا وليس بعاص للَّه ورسوله صلى ا لله عليه وآله وإنما عصى سيّده ولم يعص اللَّه إن ذلك ليس كإتيان ما حرم اللَّه عز وجل عليه من نكاح في عدة وأشباهه وجه الدلالة أنه عليه السلام إنما فرع الصحة والفساد على معصية اللَّه وعدمها وهو يحتمل وجهين الأول أن يكون المعاملة معصية للَّه من حيث
إنه فعل من الأفعال مع قطع النظر عن كونه معاملة موجبة لما هو المطلوب من إيقاع تلك المعاملة والثاني أن تكون معصية لا من هذه الجهة بل من حيث إنها منهي عنها شرعا على أحد الوجوه المتصورة في النهي عن المعاملة من حيث إنها موجبة لترتب الآثار المطلوبة عنها لا سبيل إلى الأول فإن عصيان السيد أيضا عصيان للَّه فلا وجه لنفي العصيان عن الفعل الواقع بدون إذن السيد على وجه الإطلاق فلا بد من المصير إلى الثاني وهو يفيد المطلوب فإنه يستفاد من التفريع المذكور أن كل معاملة فيها معصية للَّه فاسدة كما هو ظاهر الحصر ويؤيد ما ذكرنا من أن المراد هو العصيان لا من حيث كون المعاملة فعلا من الأفعال ما في ذيل الرواية الثانية من التمثيل بالنكاح في العدة فإنه ليس خارجا من الأقسام التي قلنا بأن النهي يدل فيها على الفساد وبالجملة أن المطلوب في المقام هو أن النهي المتعلق بالمعاملة إذا كان نهيا عن إيجاد السبب من حيث إنه فعل من أفعال المكلف لا يقتضي الفساد سواء كان تلك المعاملة مبغوضة في نفسها أو باعتبار اجتماعها مع عنوان غير مطلوب كالنهي عن البيع وقت النداء فإن تحريمه بواسطة كونه موجبا لتفويت الجمعة وإذا كانت منهيا عنها من حيث كونها سببا ومعاملة موجبة لترتب الآثار المطلوبة عنها على أحد الوجوه السّابقة يقتضي الفساد والروايتان صريحتان فيما قلنا
مطارح الأنظار — صفحة 164
مساهمون: الشيخ الأنصاري
ص١٦٤