الامتثال بهما معا فكان الفعل لما كان مساواتهما في نظر الشارع والمصلحة الكامنة الموجبة للطلب وراء عدم إمكان الجمع بين الامتثالين حكم بمعذورية المكلف في ترك الامتثال بأحدهما لا على التعيين فخروج أحدهما من تحت الطلب الفعلي إنما هو من جهة وجود المانع الذي هو تعذر الامتثال لا فقدان المقتضي لأن المفروض أن كل واحد منهما واجد المقتضية للأمر حال المزاحمة نحو وجدانهما إياها في غير حال المزاحمة وإلا لخرج المقام عن مقام تعارض الواجبين المفروض وجوبهما معا في آن واحد ففرق إذن بين أن يكون الخروج من المطلوبية بسببية فقدان المقتضي مثل قوله أنقذ الغريق الشامل لزيد وعمرو إذا فرض توقف إنقاذ أحدهما على عدم إنقاذ الآخر فإن خروج أحدهما الكلي من تحت الطلب الفعلي ليس باعتبار فقدان مقتضي الوجوب في أحد الإنقاذين بل باعتبار وجود المانع الذي هو تعذر والامتثال ولقد أغرب بعض الأفاضل في المقام على ما نقل حيث جعل المرجع في المقام ملاحظة أدلة الواجبين حتى خصص عنوان البحث في هذه المسألة فقال إن الأمر بالشيء إنما يقتضي النهي عن الضد إذا كان دليل ذلك الأمر قطعيا كالإجماع والضرورة ودليل وجوب الضد ظنيا فإنه لو كان الدليلان كلاهما قطعيين فذاك فرض محال لأن الأمر بالضدين في آن واحد ممتنع نحو امتناع اجتماعهما وإن كان عكس الأول بأن كان دليل الواجب ظنيا ودليل الضد قطعيا فلا يقتضي الأمر الظني النهي عن الواجب القطعي الذي هو الضد وإن كان دليل الواجب كلاهما ظنيين فيرجع إلى الترجيح فيؤخذ بالراجح فلا وجه لجعل أحدهما حينئذ ولو كان مضيقا مقتضيا للنهي عن الآخر ولو كان موسعا لاحتمال أن يكون الرجحان في طرف الموسع ووجه غرابة هذا الكلام أولا أن باب تزاحم الواجبين والحقين باب آخر غير باب تعارض الأدلة المطلوب فيها ملاحظة حيثية القوة والضعف لأن الواجبين أنما يكونان فردين من كلي واحد كإنقاذ الغريقين الموقوف إنقاذ كل منهما على ترك إنقاذ الآخر وهذا وإن كان ليس من موارد بحثنا في هذه المسألة ضرورة كونهما متساويين في الضيق والتوسعة حينئذ وكون الغرض الأصلي للأصولي متعلقا بمزاحمة المضيق والموسّع المقتضية للمغايرة بين الواجبين نوعا ودليلا إلا أنه لا يبحث في هذه المسألة إلا عن حال الواجبين اللذين يبحث عنهما في تزاحم الحقوق
من حيث كون العمل بكل من الدليلين مقطوعا به ولو كان أصل الدليل ظنيا وحينئذ فلو كان دليل الواجب في كمال الضعف بالنسبة إلى فعل الضد كان كما لو تساويا في القوة والاعتبار وهذا واضح وثانيا أن الغرض في عنوان هذه المسألة معرفة التنافي والمضادة بين الأمر بالمضيق والأمر بالموسع فلا بد أولا من معرفة منافاتهما ثم الرجوع إلى الأدلة في مقام العلاج بطرح ما كان دليله ظنيا إلا أن يجعل الفرق بين القطعي والظني رفعا للمنافاة في صورة التساوي مثلا بأن يقال إنهما إن كانا ظنيين مثلا فلا يقتضي الأمر بالمضيق منهما النهي عن الموسع أعني أنه لا منافاة بينهما لأن المنافاة وعدمها لا يختلفان باتفاق الدليلين في الاعتبار والقوة واختلافهما فإن كان بين الأمر المضيق والموسع مضادة فسواء كان دليلاهما قطعيين أو ظنيين أو مختلفين فهي ثابتة بينهما وإلا فلا وجه لملاحظة حال الدليلين في مسألة اقتضاء الأمر بالشيء والنهي عن الضد بل هو كلام في البعد من الصدور عن الأفاضل ولذا تجد الكتب خالية عنه وكيف كان فالدليل على تقديم الأهم من المضيقين على الآخر تتبع أحوال الشارع وحكم العقل بذلك وقاعدة الاشتغال السارية في جميع المقامات التي يدور الأمر فيها بين التخيير والتعيين ودعوى صاحب الوافية أن الحق هو التخيير أيضا فاسدة جدّا بعد العلم الضروري بأنه إذا دار الأمر بين حفظ نفس الإمام وحفظ غيره فالأول أهم عند الشارع المقدس وأوجب اللهم إلا أن يكون مراده بالأهم ما هو راجح في نظر المكلف لا في نظر الشارع فإن الرجحان الذي يراه المكلف من دون استناده إلى ما يرجع إلى الشرع غير معتنى به جدا فلا يحكم بالترجيح بل بالتخيير وطريق معرفة الأهمية تتبع كلمات الشارع والآثار المترتبة من قبله على ترك الواجب أو فعل الحرام فإنا إذا رأيناه قد حكم بفسق الكاذب وكفر قاتل النبي صلى ا لله عليه وآله علمنا أن حفظ نفسه الشريفة أهم في نظره المقدس من الاجتناب عن الكذب والظاهر أن الظن بالأهمية كاف في الحكم بالتخيير لأن العقل وقاعدة الاشتغال أيضا ناهضان على الحكم بذلك بل لا يبعد الحكم بالتعيين بمجرد احتمال
الرجحان والأهمية ولو لقاعدة الاشتغال المزبورة السليمة عن المعارض ثم المرجح فعلا يقتضي وجوب الترجيح بل استحبابه ومنه ما لو دار الأمر بين الاجتناب عن سب الإمام عليه آلاف التحية والسّلام وحفظ نفس آدمي فإنه مقام التخيير بين الأمرين على ما عزي إلى أصحابنا رضوان ا لله عليهم مع استحباب مراعاة حفظ النفس سيما في حق قدوة الناس ورئيسهم ولا يتوهم المنافاة بين قولنا بالترجيح الاستحبابي وقولنا المقدم من الحكم بالترجيح عند احتمال الرجحان لأن الفرق بين احتمال وجود الرجحان الملزم وبين القطع بعدمه ولوجود الرجحان الغير الملزم ما بين الأرض والسماء وأما إنكار حسن الترجيح واستحبابه رأسا فما لا يصغى إليه لمكاذبته للوجدان والتتبع
المقدمة الثالثة
في معرفة المراد من الشيء والنهي المشتمل عليهما عنوان البحث أما الأول فلعل الظاهر منه الشيء الوجودي ويمكن أن يراد به ما يعم التروك أيضا فيدخل فيه مثل اترك الزنا وعليه يتجه القول بأن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده العام أن النهي عن تركه بترك الزنا عبارة أخرى عن النهي عن فعله جدا كما يتجه القول حينئذ بأن المراد بالنهي الذي يقتضيه الأمر بالشيء ما يعم الأصلي والتبعي لأن هذا النهي المستفاد من الأمر بالترك ليس إلا أصليا كما أن النهي المتعلق بالأضداد الماضية على القول بأن الأمر بها عين النهي عن أضداد الماضي
مطارح الأنظار — صفحة 115
مساهمون: الشيخ الأنصاري
ص١١٥