ملك الروم الذي تب إلى الخليفة بنقض العهد وهدده بالحرب ، فلم يكن من
الخليفة سوى أن كتب على ظهر خطابه ( بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير
المؤمنين إلى نقفور كلب الروم ، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه
لا ما تسمعه ) .
ثم خرج بجيش عظيم وفتح مدنا عديدة من أرض الروم وواصل المعتصم
غزوهم وعلى الرغم من الاضطرابات العظيمة التي حدثت بين الأمين وأخيه
المأمون ، ومع أن الخلفاء من المأمون إلى الواثق أضاعوا كثيرا من الجهود والطاقات
في مسالة خلق القرآن ، كانت هيبة الخلافة قائمة داخليا وخارجيا . ولكن الأتراك
الذين جلبهم المعتصم قوى نفوذهم فيما بعد حتى أصبحوا يتحكمون في مصير
الخلفاء أنفسهم يخلعون هذا ويقتلون ذلك ، والمتوكل نفسه أصبح ضحية لهذه
الفتنة ، أما الذين أتوا من بعده فإنهم لم تكن لهم قيمة سوى ما كان ينادى بأسمائهم
على المنابر في الخطب ، ومصائرهم كانت مرهونة بيد الأتراك الذين لم يكونوا
ينفكون من مؤامرة إثر مؤامرة .
وإذا نظرنا إلى الحالة الفكرية في ذلك العصر ، نرى أن السنة كانت ظاهرة
منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم ، وعلى الرغم من أن بعض الاتجاهات الفكرية
المنحرفة قد ظهرت قبل عصر العجلي كالخوارج والشيعة والقدرية ، وعلى الرغم
من أن الجهمية والمعتزلة كانوا قد رفعوا عقيرتهم ، إلا أن تأثيرهم كان محدودا
جدا ، وكانت السنة هي السائدة الغالبة على مستوى الأمة ، وحتى على مستوى
الدولة . إلى أن أظهر المأمون ميله إلى الاعتزال ودعا الناس إلى القول بخلق
القرآن .
وكان الخلفاء قبل المأمون ينكرون هذه المقالة فقد ذكر المؤرخون أن
هارون الرشيد بلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن فقال : " لئن ظفرت به
لأضربن عنقه " .
معرفة الثقات — صفحة 22
مساهمون: العجلي
ص٢٢