وعلى سبيل المثال ، لا الحصر ، كانت سنة الرسول جارية على تقسيم المال
بين الناس بالسوية ، ولما آلت الخلافة إلى عمر بن الخطاب رأى أن سنة الرسول
في هذا المجال ليست مناسبة وأن الأنسب إعطاء الناس من الأموال حسب منازلهم
بمقاييس عمر . وهكذا فعل فصفقت له أبناء البطون وصفق الناس من خلفهم ،
وأشاد الجميع بعبقرية عمر وعدله وتركه لسنة رسول الله ، وجاء القوشجي في
( شرح التجريد ) وابن أبي الحديد في ( شرح نهج البلاغة ) فوضعوا النقاط على
الحروف وقالوا بكل صراحة : ( إن الرسول مجتهد وعمر مجتهد ! ! ومن حق
المجتهد أن يخالف مجتهدا " آخر ) !
وكانوا يشترطون على الخليفة الجديد أن يعمل بسنة الرسول وسنة الشيخين
أبي بكر وعمر ، فسنة الرسول وحدها غير كافية ! ولو كانت كافية لما كان هنا لك داع
لسنة الشيخين !
وفي هذا السياق ، أنت ترى أن العشرة المبشرين بالجنة جميعهم من أبناء
البطون ، ولم تعترف البطون ، رسميا " ، بأي مبشر بالجنة غيرهم ، وقد شاع هذا
الخير وانتشر وأصبح من المسلمات مع أنه من أحاديث الآحاد !
وقد ترجح الشخصية البارزة ، من أبناء البطون ، على الرسول نفسه صراحة ،
فهذا زيد بن عمرو بن نفيل ابن عم الخليفة عمر يزور رسول الله قبل البعثة ، فيقدم
له الرسول مائدة فيها لحم ، فيرفض زيد أن يأكل من مائدة الرسول ، فيسأله الرسول
عن سبب ذلك ، فيقول زيد له : ( إني لا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه ) ( 1 ) فهم
يصورون زيدا " كأنه أحوط وأفضل من رسول الله ! ولقد نجحت بطون قريش في
تصدير هذه العقيدة وتعميمها حتى صارت من المسلمات . فإذا أراد العامة أن
يرمزوا لفكرة العدل يقولون : ( عدل عمر ) . ولا يقولون عدل محمد أو عدل
الرسول ! والأهم من ذلك أن حب أشخاص معينين من أبناء البطون صار جزءا " من
العقيدة ، فلو التزم مؤمن بالإيمان تماما " ، ولكنه كان يرى أن عليا " بن أبي طالب أو
هامش
( 1 ) راجع صحيح بخاري في كتاب الذبائح باب ما ذبح على النصب والأصنام 3 / 207 .