قوله { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللمَمَ } [ 33 / 35 ] فقد فسر اللمم : بأنه غير الوطء من النظر واللمس والسمع والمشي ونحوه ، كما ثبت في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ما رأيت أشبه باللم مما قال أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - « إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر ، والأذنان تزنيان وزناهما السمع ، واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشي ، والقلب يتمنى ويشتهي الفرج يصدق ذلك أو يكذبه » وسماه الله لمما لأن العبد المؤمن يلم بالكبيرة ولا يأتيها قال :
متى تأتنا تلمم بنا في دارنا . . . تجد حطبا جزلا ونارا تأججا
وقال
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره . . . تجد خير نار عندها خير موقد
فإن الطارق يلم بأهل المنزل قبل أن يدخل إلى منزلهم .
ويقال : اللمم أن يلم بالذنب الصغير مرة من غير إصرار ، لأن من أصر على الصغيرة صارت كبيرة ، كما في الترمذي : « لا صغيرة مع إصرار ، ولا كبيرة مع استغفار » ، فقد جاء الكتاب والسنة بتكفير الصغائر لمن اجتنب الكبائر وهذا لا ريب فيه .
ثم قال قائلون : مفهوم هذا أنه لا يكفر الصغائر إلا بهذا الشرط ، فمن لم يجتنب الكبائر كلها لا يكفر عنه صغيرة ، وخالف الخوارج والمعتزلة فقالوا : إن من أتى كبيرة استحق العقوبة حتما ، فتحبط جميع حسناته بتلك الكبيرة ويستحق التخليد في النار لا يخرج منها بشفاعة ولا غيرها ، وهذا قول باطل باتفاق الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وسائر أهل السنة .
المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية — صفحة 95
مساهمون: ابن تيمية
ص٩٥