وكان من أمر يونس نبي الله عليه السلام مع قومه وفراره عنهم عند تطاوله المدة في
خلافهم عليه واستخفافهم بحقوقه ، وغيبته عنهم لذلك عن كل أحد من الناس حتى
لم يعلم بشر من الخلق مستقره ومكانه إلا الله تعالى ، إذ كان المتولي لحبسه في
جوف الحوت في قرار بحر ، وقد أمسك عليه رمقه حتى بقي حيا ، ثم أخرجه من
ذلك إلى تحت شجرة من يقطين ، بحيث لم يكن له معرفة بذلك المكان من الأرض
ولم يخطر له ببال سكناه .
وهذا أيضا خارج عن عادتنا ( 1 ) وبعيد من تعارفنا ، وقد نطق به القرآن ( 2 )
وأجمع عليه أهل الإسلام وغيرهم من أهل الملل والأديان .
وأمر أصحاب الكهف نظير لما ذكرناه ، وقد نزل القرآن بخبرهم وشرح
أمرهم ( 3 ) : في فرارهم بدينهم من قومهم وحصولهم في كهف ناء عن بلدهم ،
فأماتهم الله فيه وبقي كلبهم باسطا ذراعيه بالوصيد ، ودبر أمرهم في بقاء أجسامهم
على حال أجساد الحيوان لا يلحقها بالموت تغير ( 4 ) ، فكان ( 5 ) يقلبهم ذات اليمين
وذات شمال كالحي الذي يتقلب ( 6 ) في منامه بالطبع والاختيار ، ويقيهم حر
الشمس التي تغير الألوان ، والرياح التي تمزق الأجساد فبقوا على ذلك ثلاث مائة
سنة وتسع سنين على ما جاء به الذكر الحكيم .
هامش
( 1 ) ع . ل . ر : عبادتنا .
( 2 ) الصافات 37 : 139 - 146 .
وراجع : قصص الأنبياء : 251 - 253 .
( 3 ) الكهف 18 : 9 - 22 .
( 4 ) ط : تغير بالموت .
( 5 ) ل . س . ط : وكان .
( 6 ) ر . س . ط : ينقلب .