فغنيته وحسن في نفسي اقتضاؤه وآنست به واستظرفته ثم قال : يا سيدي أتأذن لي أن أغني ما سنح وإن كنت من غير أهل هذه الصناعة فقلت : زيادة في أدبك ومروءتك ، فأخذ العود وتغنى :
شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا * فقالوا لما ما أقصر الليل عندنا
وذاك لأن النوم يغشى عيونهم * سريعاً ولا يغشى لنا النوم أعينا
إذا ما دنا الليل المضر بذي الهوى * جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا
فلو إنهم كانوا يلاقون مثل ما * نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا
فوالله لقد أحسست البيت قد سار بي ، وذهب عني كل ما كان بي من الهلع وأنسيته ، وسألته أن يغني فغنى :
تعيرنا أنا قليل عديدنا * فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا * عزيز وجار الأكثرين ذليل
وإنا لقوم لا نرى سبة * إذا ما رأته عامر وسلول
يقرب حب الموت آجالنا لنا * وتكرهه آجالهم فتطول
قد أخلني من الطرب ما لا مزيد عليه إلى أن عاجلني السكر وإياه فلم أستيقظ إلا بعد المغرب ، فعاودني فكري في نفاسة هذا الحجام ، وحسن أدبه وظرفه ، وكيف اقتضاني من الغناء ما أراد به أن يسليني
المستجاد من فعلات الأجواد — صفحة 78
مساهمون: القاضي التنوخي
ص٧٨