ليحتمل مشقة الرحلة ، وفي يثرب تعرف إلى أخواله بني النجار وانطلق
مع لداته من صبيتهم في دروب المدينة التي ستكون دار هجرته . وأمضت
أمه أيامها على قبر الحبيب ، تبث طيفه أشجانها ومواجدها ونجواها ،
وتتزود من ثراه لفراق قد يطول .
وفى طريق العودة إلى مكة ، ألمت بها وعكة طارئة لم تطل : انطفأت
فيها الحياة بين يدي صغيرها اليتيم ، وعلى مرأى منه أضجعوها في قبر
حفروه لها بقرية ( الأبواء ) وهالوا عليها الرمال .
واستأنف سيره ، مع بركة ، إلى مكة محزونا مضاعف اليتم ،
ليروع بعد قليل بموت جده عبد المطلب الذي كان له أبا . وينتقل إلى دار
عمه ( أبي طالب ) فيجد فيه العوض عن جده وأبيه ، ولا عوض عن
الام !
وتمضي الأعوام وقلبه ينزع نحو مرقدها الأخير بالأبواء ، ولم
يستطع ضجيج الحياة في أم القرى أن ينسيه مشهد موتها الفاجع ، أو
يبعد عن مسمعه حشرجة احتضارها في جوف الفلاة .
ويبلغ مع عمه مبلغ السعي ، فيصحبه معه في رحلة قريش إلى
الشام ، ثم يقترح عليه بعدها أن يخرج إلى الشام في مال ( السيدة
خديجة بنت خويلد ) فتبدأ مرحلة جديدة من حياة الشاب الهاشمي ،
تملأ أعوامه ما بين الخامسة والعشرين ، والأربعين ، بنعمة الزوجية
السعيدة الهانئة ، وتقر عيناه بثمرتها المباركة : زينب ورقية وأم
كلثوم ، وفاطمة ، والقاسم وعبد الله .
مع المصطفى — صفحة 45
مساهمون: عائشة عبد الرحمن ( بنت الشاطئ )
ص٤٥