منع الزيادة بطريق المنطوق ، بل بطريق المفهوم ، ولا يقولون به ولا نقول به هاهنا ، ثم رفع
المفهوم كتخصيص العموم ، فإنه رفع بعض مقتضى اللفظ ، فيجوز بخبر الواحد ، ثم أنما
يستقيم هذا لو ثبت أنه ورد حكم المفهوم واستقر ، ثم ورد التغريب بعده ، وهذا لا سبيل إلى
معرفته بل لعله ورد بيانا لاسقاط المفهوم متصلا به أو قريبا منه ، فإن قيل : التفسيق ورد
الشهادة يتعلق بالثمانين ، فإذا زيد عليها أزال تعلقه بها ؟ قلنا : يتعلق التفسيق ورد الشهادة
بالقذف لا بالحد ، ولو سلمنا لكان ذلك حكما تابعا للحد لا مقصودا ، وكان كحل النكاح بعد
انقضاء أربعة أشهر وعشر من عدة الوفاة ، وتصرف الشرع في العدة بردها من حول إلى أربعة
أشهر وعشر ليس تصرفا في إباحة النكاح ، بل في نفس العدة ، والنكاح تابع ، فإن قيل : فلو أمر
بالصلاة مطلقا ثم زيد شرط الطهارة ، فهل هو نسخ ؟ قلنا : نعم ، لأنه كان حكم الأول أجزاء
الصلاة بغير طهارة ، فنسخ أجزاؤها وأمر بصلاة مع طهارة ، فإن قيل : فيلزمكم المصير إلى
أجزاء طواف المحدث ، لأنه تعالى قال : * ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) * ( الحج : 92 ) ولم يشرط
الطهارة ، والشافعي رحمه الله منع الاجزاء ، لقوله ( ص ) : الطواف بالبيت
صلاة وهو خبر الواحد ، وأبو حنيفة رحمه الله قضى بأن هذا الخبر يؤثر في إيجاب الطهارة
أما في إبطال الطواف وأجزائه ، وهو معلوم بالكتاب فلا ؟ قلنا : لو استقر قصد العموم في
الكتاب واقتضى أجزاء الطواف محدثا ومع الطهارة ، فاشتراط الطهارة رفع ونسخ ، ولا يجوز
بخبر الواحد ، ولكن قوله تعالى : * ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) * ( الحج : 92 ) يجوز أن يكون
أمرا بأصل الطواف ، ويكون بيان شروطه موكولا إلى الرسول عليه السلام ، فيكون قوله بيانا
وتخصيصا للعموم لا نسخا ، فإنه نقصان من النص لا زيادة على النص ، لان عموم النص
يقتضي أجزاء الطواف بطهارة وغير طهارة ، فأخرج خبر الواحد أحد القسمين من لفظ القرآن
، فهو نقصان من النص لا زيادة عليه ، ويحتمل أن يكون رفعا إن استقر العموم قطعا وبيانا إن
لم يستقر ، ولا معنى لدعوى استقراره بالتحكم ، وهذا نظير قوله تعالى : * ( فتحرير رقبة ) *
( النساء : 29 ) فإنه يعم المؤمنة وغير المؤمنة ، فيجوز تخصيص العموم ، إذ قد
يراد بالآية ذكر أصل الكفارة ، ويكون أمرا بأصل الكفارة دون قيودها وشروطها ، فلو استقر
العموم وحصل القطع بكون العموم مرادا لكان نسخه ورفعه بالقياس ، وخبر الواحد ممتنعا ،
فإن قيل فما قولكم في تجويز المسح على الخفين ، هل هو نسخ لغسل الرجلين ؟ قلنا : ليس
نسخا لاجزائه ولا لوجوبه ، لكنه نسخ لتضييق وجوبه وتعينه ، وجاعل إياه أحد الواجبين ، ويجوز
أن يثبت بخبر الواحد ، فإن قيل : فالكتاب أوجب غسل الرجلين على التضييق ؟ قلنا : قد بقي
تضييقه في حق من لم يلبس خفا على الطهارة وأخرج من عمومه من لبس الخف على
الطهارة ، وذلك في ثلاثة أيام أو يوم وليلة ، فإن قيل : فقوله تعالى : * ( واستشهدوا شهيدين من
رجالكم ) * ( البقرة : 282 ) الآية توجب إيقاف الحكم على شاهدين ، فإذا حكم بشاهد
ويمين بخبر الواحد فقد رفع إيقاف الحكم فهو نسخ ؟ قلنا : ليس كذلك ، فإن الآية لا تقتضي
إلا كون الشاهدين حجة ، وجواز الحكم بقولهما ، أما امتناع الحكم بحجة أخرى فليس من
الآية ، بل هو كالحكم بالاقرار ، وذكر حجة واحدة لا يمنع وجود أخرى ، وقولهم : ظاهر
المستصفى — صفحة 95
مساهمون: الغزالي
ص٩٥