إلا تحريم ما أحل ، وكذلك قوله تعالى : * ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها )
* ( البقرة : 601 ) فإن قيل لعله أراد به التخصيص ؟ قلنا : قد فرقنا بين التخصيص والنسخ
فلا سبيل إلى تغيير اللفظ ، كيف والتخصيص لا يستدعي بدلا مثله أو خيرا منه ، وإنما هو بيان
معنى الكلام . الدليل الثالث : ما اشتهر في الشرع من نسخ تربص الوفاة حولا بأربعة أشهر
وعشر ، ونسخ فرض تقديم الصدقة أمام مناجاة الرسول ( ص ) حيث قال
تعالى : * ( فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) * ( المجادلة : 21 ) ومنه نسخ تحويل القبلة عن
بيت المقدس إلى الكعبة بقوله تعالى : * ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) *
( البقرة : 441 ) وعلى الجملة اتفقت الأمة على إطلاق لفظ النسخ في الشرع ، فإن قيل :
معناه نسخ ما في اللوح المحفوظ إلى صحف الرسل والأنبياء وهو بمعنى نسخ الكتاب
ونقله ؟ قلنا : فإذا شرعنا منسوخ كشرع من قبلنا ، وهذا اللفظ كفر بالاتفاق كيف وقد نقلنا
من قبلة إلى قبلة ، ومن عدة إلى عدة ، فهو تغيير وتبديل ورفع قطعا .
الفصل الثالث : في مسائل تتشعب عن النظر في حقيقة النسخ وهي ست مسائل -
مسألة ( هل ينسخ الامر ؟ ) يجوز عندنا نسخ الامر قبل التمكن من الامتثال ، خلافا للمعتزلة ، وصورته أن
يقول الشارع في رمضان ، حجوا في هذه السنة ، ثم يقول قبل يوم عرفة : لا تحجوا فقد
نسخت عنكم الامر ، أو يقول : إذبح ولدك فيبادر إلى إحضار أسبابه ، فيقول : قبل ذبحه
لا تذبح فقد نسخت عنك الامر ، لان النسخ عندنا رفع للامر أي لحكم الامر ومدلوله ، وليس
بيانا لخروج المنسوخ عن لفظ الامر ، بخلاف التخصيص ، فلو قال : صلوا أبدا ، فيجوز أن
ينسخ بعد سنة وجوب في المستقبل ، لا بمعنى أنه لم يقصد باللفظ الأول الدلالة على
جميع الأزمان ، ولكن بمعنى قطع حكم اللفظ بعد دوامه ، إذ كان دوامه مشروطا بعدم
النسخ ، فكل أمر مضمن بشرط أن لا ينسخ ، فكأنه يقول : صلوا أبدا ما لم أنهكم ، ولم أنسخ
عنكم أمري ، وإذا كان كذلك ، عقل نسخ الحج قبل عرفة ، ونسخ الذبح قبل فعله ،
لان الامر قبل التمكن حاصل ، وإن كان أمرا بشرط التمكن ، لان الامر بالشرط ثابت ، ولذلك
يعلم المأمور كونه مأمورا قبل التمكن من الامتثال ، ولما لم تفهم المعتزلة هذا أنكروا ثبوت
الامر بالشرط كما سيأتي فساد مذهبهم في كتاب ( الأوامر ) وأقرب دليل على فساده أن
المصلي ينوي الفرض ، وامتثال الامر في ابتداء الصلاة ، وربما يموت في أثنائها وقبل تمام
التمكن ، ولو مات قبل لم يتبين أنه لم يكن مأمورا ، بل نقول : كان مأمورا بأمر مقيد بشرط ،
والامر المقيد بالشرط ثابت في الحال وجد الشرط أو لم يوجد ، وهم يقولون : إذا لم يوجد
الشرط علمنا انتفاء الامر من أصله ، وإنا كنا نتوهم وجوبه ، فبأن أنه لم يكن ، فهذه المسألة فرع
لتلك المسألة ، ولذلك أحالت المعتزلة النسخ قبل التمكن وقالوا أيضا : إنه يؤدي إلى أن
يكون الشئ الواحد في وقت واحد على وجه واحد مأمورا منهيا حسنا قبيحا مكروها مرادا
مصلحة مفسدة ، وجميع ما يتعلق بالحسن والقبح والصلاح والفساد قد أبطلناه ، ولكن يبقى
لهم مسلكان : المسلك الأول أن الشئ الواحد في وقت واحد كيف يكون منهيا عنه
ومأمورا به على وجه واحد ؟ وفي الجواب عنه طريقتان : الأولى : إنا لا نسلم أنه منهي عنه
المستصفى — صفحة 90
مساهمون: الغزالي
ص٩٠