بالضرر الذي يحذر في الآخرة ، ولا قدرة عليه إلا لله تعالى ، ، فإن أطلق على كل ضرر محذور
وإن كان في الدنيا فقد يقدر عليه الآدمي ، فعند ذلك يجوز أن يكون موجبا ، لا بمعنى أنا
نتحقق قدرته عليه ، فإنه ربما يعجز عنه قبل تحقيق الوعيد ، لكن نتوقع قدرته ويحصل به نوع
خوف .
الركن الثالث : المحكوم عليه ، وهو المكلف ، وشرطه أن يكون عاقلا يفهم الخطاب ،
فلا يصح خطاب الجماد والبهيمة ، بل خطاب المجنون والصبي الذي لا يميز ، لان التكليف
مقتضاه الطاعة والامتثال ، ولا يمكن ذلك إلا بقصد الامتثال ، وشرط القصد العلم بالمقصود
والفهم للتكليف ، فكل خطاب متضمن للامر بالفهم ، فمن لا يفهم كيف يقال له : إفهم ومن
لا يسمع الصوت ، كالجماد كيف يكلم ، وإن سمع الصوت كالبهيمة ، ولكنه لا يفهم فهو كمن
لا يسمع ، ومن يسمع وقد يفهم فهما ما لكنه لا يعقل ، ولا يثبت ، كالمجنون وغير المميز ،
فمخاطبته ممكنة لكن اقتضاء الامتثال منه ، مع أنه لا يصح منه قصد صحيح غير ممكن ، فإن
قيل : فقد وجبت الزكاة والغرامات والنفقات على الصبيان ، قلنا : ليس ذلك من التكليف في
شئ ، إذ يستحيل التكليف بفعل الغير وتجب الدية على العاقلة ، لا بمعنى أنهم مكلفون
بفعل الغير ، ولكن بمعنى أن فعل الغير سبب لثبوت الغرم في ذمتهم ، فكذلك الاتلاف ، وملك
النصاب سبب لثبوت هذه الحقوق في ذمة الصبيان بمعنى أنه سبب لخطاب الولي بالأداء
في الحال وسبب لخطاب الصبي بعد البلوغ ، وذلك غير محال ، إنما المحال أن يقال لمن لا
يفهم إفهم ، وأن يخاطب من لا يسمع ولا يعقل . وأما أهلية ثبوت الاحكام في الذمة : فمستفاد
من الانسانية التي بها يستعد لقبول قوة العقل الذي به فهم التكليف في ثاني الحال ، حتى أن
البهيمة لما لم تكن لها أهلية فهم الخطاب بالفعل ولا بالقوة لم تتهيأ لإضافة الحكم إلى
ذمتها ، والشرط لا بد أن يكون حاصلا أو ممكنا أن يحصل على القرب ، فيقال أنه موجود
بالقوة ، كما أن شرط المالكية الانسانية ، وشرط الانسانية الحياة ، والنطفة في الرحم قد يثبت
لها الملك بالإرث والوصية ، والحياة غير موجودة بالفعل ، ولكنها بالقوة ، إذ مصيرها إلى الحياة ،
فكذلك الصبي ، مصيره إلى العقل ، فصلح لإضافة الحكم إلى ذمته ، ولم يصلح للتكليف في
الحال . فإن قيل : فالصبي المميز مأمور بالصلاة ، قلنا : مأمور من جهة الولي ، والولي مأمور
من جهة الله تعالى ، إذ قال عليه السلام : مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها
وهم أبناء عشر وذلك لأنه يفهم خطاب الولي ويخاف ضربه ، فصار أهلا له ، ولا يفهم خطاب
الشارع إذ لا يعرف الشارع ولا يخاف عقابه ، إذ لا يفهم الآخرة ، فإن قيل : فإذا قارب البلوغ
عقل ولم يكلفه الشرع أفيدل ذلك على نقصان عقله ؟ قلنا : قال القاضي أبو بكر رحمه الله :
ذلك يدل عليه ، وليس يتجه ذلك ، لان انفصال النطفة منه لا يزيده عقلا لكن حط الخطاب
عنه تخفيفا ، لان العقل خفي ، وإنما يظهر فيه على التدريج ، فلا يمكن الوقوف بغتة على الحد
الذي يفهم به خطاب الشرع ويعرف المرسل والرسول والآخرة فنصب الشرع له علامة
ظاهرة .
مسأله ( هل يكلف الغافل والناس ؟ ) تكليف الناسي والغافل عما يكلف محال ، إذ من لا يفهم كيف يقال له : إفهم ،
المستصفى — صفحة 67
مساهمون: الغزالي
ص٦٧